أنطون مقدسي وهزيمة الواقع – أحمد برقاوي

أنطون مقدسي وهزيمة الواقع – أحمد برقاوي

ـ “أنا أعلم أن الصورة قاتمة ومحبطة، لكني ـ ما دامت لدي القدرة ـ سأظل أعمل وأبدي رأيي. تمر لحظات قصيرة أشعر فيها باليأس، لكني سرعان ما أنحيها قائلاً لنفسي: سأواصل المحاولة حتى مماتي”.
القول هذا لأنطون مقدسي في حوار جرى صيف 1990، والمحاور سعدالله ونوس، والكتاب “قضايا وشهادات”.
غاب أنطون وغابت معه محاولاته، ورحل سعدالله ونوس ورحل معه أمله، وأُخفقَ مشروعنا “قضايا وشهادات” لكنّا ما زلنا نحلم ونأمل ونحاول.
هُزم الواقع ولم ينهزم أنطون الشخص المثقف العضوي. احتفظ بالروح الناقد والمتأمل والآمل والمتمرد على عالمه المعيش.
عاش بين جدران أربعة يفكر بحرية وظلّ مشدوداً للمستقبل، يتأمل تجربة الماضي بجمالها وقبحها، بيقظتها وسباتها، بانتصارها وهزيمتها. يتجاوز وعيه بالعالم دائماً، لكنه ظلّ مشدوداً الى الحداثة والعقلانية والديموقراطية.
مثقف الممكن، لم يأسر نفسه في النزعة الأكاديمية الخادعة، ولم ينكص الى ذاتية يائسة تنال من أحلام الناس، بل ظل مشروعاً يرسم الوجود الآتي.
أحب أفلاطون دون عبيد، ومال الى ماركس دون ماركسية، واحتفظ بالمسيح دون مسيحية، وظل عروبياً دون تعصب. أحب الأرسوزي ولم يكن أرسوزياً.
هاجسه الإنسان الحر في الشرق والغرب فلم يتغرب ولم يتشرق.
أذكره أستاذاً محاضراً في قسم الفلسفة في سبعينات القرن الماضي. علّمنا الفلسفة اليونانية كفيلسوف ينتمي الى أثينا. يستعيد محاورات أفلاطون بطقس من الحوار. لم يتأفف يوماً من أسئلتنا، نحن ثلة من اليساريين الشباب الذين تحلقوا حول نايف بلّوز، رافضين مثالية أفلاطون وهيغل وبرغسون منتمين الى ماركس ولابسين قبعة غيفارا. حجبتنا الأيديولوجيا يومها عن الأستاذ. كيف لا ونحن نمتلك الحقيقة مبكرين؟!
في مكتبه الصغير في وزارة الثقافة كان يرسم مشروعاً للوعي عبر الترجمة، وتأتي كتب آلان تورين، والتوسير وهنري لوفيفر، وشاتليه، ورأس مال ماركس. كأنما أراد تجاوز فقرنا الروحي بإثرائنا بالوعي الغربي بالعالم. لكن أنطون ناقد شرس لحداثة الغرب التي أفقرت الإنسان عبر الرأسمالية. أرادها حداثة دون اغتراب لأنه مع الإنسان الذي حلم به ماركس والمسيح.
حسبك أن تستمع إليه حين قال: “لقد فجر الإنسان كل غرائزه: الآلة، المجتمع الاستهلاكي، الصور، السينما، التلفزيون.. كل هذا فجّر غرائز الإنسان جميعاً، فصار فقيراً. لم يعد لديه ذلك الفائض. وهنا نقطة ضعف الحداثة. الإنسان في حقيقته فائض عن ذاته. في هذه المجانية التي تطفر منه. الآن ضاعت المجانية. كل قيمة المسيحية أنها استغلت هذه المجانية الى أبعد حد، أو أرادت أن تهبها. فالفكرة المسيحية، وهي تختلف عن النظام الكنسي والتديّن، مبنية على أن كل ما في الدنيا مجاني، لا ثمن له. لأن الرب مجاني. كل ما في الطبيعة مجاني. الله يحب، يعني أنه يعطي كل شيء. هذه المجانية تلاشت واندثرت… ما من شيء مجاني في واقعنا الراهن. كلها أسعار وحسابات. حتى الكتابة صارت جزءاً من العملية التجارية الواسعة.. هنا مأزق الرأسمالية، ومكمن الفساد. هذا الوضع أفقر الإنسان”.
هو ماركس يتحدث بلسان المسيح، أو المسيح يتحدث بلسان ماركس. إنها طوباوية ولا شك، لكنها طوباوية التمرد، طوباوية أفضل من واقعية آسنة تدافع عن الواقع.
مات الطوباوي المقدسي، فلا تُميتوا الطوبا أيها العائشون.

  • Social Links:

Leave a Reply