مذكرات فتاة رصينة – ل سيمون دي بوڤوار – وليد بركسية

مذكرات فتاة رصينة – ل سيمون دي بوڤوار – وليد بركسية

صراع الإرادة الحرة ضد قيود المجتمع …..

تقف هذه الرواية كعدد من أعمال الفيلسوفة سيمون دو بوفوار الأخرى, في مكان وسط بين الرواية والسيرة الذاتية, لتعكس الحياة الباريسية وصراع الفرد من أجل حريته الشخصية و قراره المستقل عن رغبات المجتمع التقليدية, في ظل تراجع هيمنة الطبقات البرجوازية على المجتمع الفرنسي خلال النصف الأول من القرن العشرين.

تنقسم الرواية عامة إلى ثلاثة فصول تطرح فيها دو بوفوار قسماً من حياتها الخاصة ونظرتها للحياة وطريقة تفكيرها, فتتطور شيئاً فشيئاً من الطفولة الساذجة في بداية القسم الأول إلى طور النشوء والتشكل المحدد في الثاني وصولاً لوضعها مبادئ عامة لحياتها على الأقل في الجزء الأخير من الكتاب ” المزدوج ” , حيث نرى فيه ( حسب ما أعرف ) مزيجاً من الشخصيات الحقيقية والخيالية المنخرطة بشكل أو بآخر في حياة الكاتبة نفسها.

وفي التفاصيل, تنشأ سيمون في بيئة برجوازية كاثوليكية تقليدية مع تحفظ شديد وتمييز أشد بين الذكور والإناث, ومع تشجيع والدها لها تبدأ سيمون تفكر وتفتح عقلها الصغير على العالم من حولها, فتعدد قراءاتها وتبدأ في مراهقتها بالتمرد شيئاً فشيئاً على الحياة الجامدة بكافة أسوارها وقيودها الاجتماعية الخالية من المضمون, و تفقد إيمانها بوجود الله في الرابعة عشرة من عمرها لكن تأثيرات الأخلاق المسيحية ترافقها طوال حياتها, ومع رفض محيطها لها تبدأ سيمون في التقوقع على ذاتها معتبرة نفسها فريدة من نوعها كي ترضي هواجسها, ومن هنا تبدأ في إطلاق الأحكام على العالم بقسوة دون مواراة أو مجاملة.

توازياً مع ذلك, تبقى الأنثى موجودة بشكل موارب خلف المظهر الخشن لسيمون التي يصفها والدها في صغرها بأنها أقرب للرجال : ” إن لسيمون عقل رجل, إن سيمون رجل ” لترسخ هذه الفكرة في دماغ سيمون طوال حياتها, وتشكل فيما بعد المنطلق الأساسي لدفاعها عن حقوق المرأة ومطالبتها بالمساواة الكاملة مع الرجل في كل شيء, بينما يبقى الحب في نظرها أفلاطونياً فكرياً وعاطفياً بعيداً عن شهوات الجسد الغامضة, فتنسج مخيلتها الرومانسية المتحفظة عاطفياً قصة حب عظيمة مع قريبها جاك الذي يكون السبب الأول في تثقيفها ومدها بالمؤلفات الممنوعة في بيئتها.

بعد مد و جزر عنيفين طوال الرواية, و مع تعرفها على كثير من الأصدقاء الذكور, تشفى سيمون من وهم حبها القديم وتبعاته النفسية المدمرة, وتنجلي حقيقتها أمام نفسها عند لقائها الفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر, الذي يعريها من قشور الماضي ويزيل عنها أوهام التفوق لتصبح معه إنسانة أكثر واقعية في أحكامها و كتاباتها وعلاقاتها مع المحيط الاجتماعي بشكل عام.

أما على صعيد الشخصيات المفترضة, فتطرح دو بوفوار صديقة مفترضة لها تحت اسم زازا التي تعاصرها طوال حياتها وتساندها في كافة تقلباتها, و زازا بدورها تفتح قلبها لسيمون وتصبح مع مرور الوقت صديقتها الوحيدة والمخلصة, خاصة أنها ترقد تحت عبء إيمانها الثقيل الذي يمنعها من مواجهة عائلتها ومحيطها الاجتماعي القاسي ما يقودها نحو الموت في نهاية الرواية بشكل دراماتيكي مؤثر وصادم.

وهنا يمكنني القول أن شخصية زازا ما هي إلا فكرة روائية شديدة الإتقان من دو بوفوار, فهي بنظري انعكاس لحياة سيمون نفسها لو رضخت للقيود الاجتماعية الصارمة من حولها, أي أنها رؤية افتراضية لمسار حياتها لو اختارت الخنوع والرضى بالأمر الواقع, لكن ذلك لا يظهر للقارئ إلا مع السطر الأخير حيث تقول دو بوفوار بعد وفاة زازا : ” لقد ظهرت لي مراراً في الليل, و كانت تنظر إلي بعتاب, لقد كافحنا معاً ضد القدر الوحل الذي كان يترصد بنا, ولقد فكرت طويلاً بأني اشتريت بموتها حريتي … ” .

من جهة أخرى , اختارت دو بوفوار طريقة المذكرات لكتابة روايتها, وهي طريقة ناجحة جداً لرصد العوالم الداخلية لسيمون صاحبة المذكرات جنباً إلى جنب مع الأحداث التي تجري من حولها بمرور الوقت, إضافة لقدرتها على نقد الآخرين وتحليل نفسية الآخرين وردود أفعالهم دون تكلف أو تصنع محتمل في الأنواع الأدبية الأخرى, أما شخصية زازا الموازية لسيمون فتتحدث بنفسها عن نفسها غالباً على شكل رسائل إلى سيمون, ما يعكس الأهمية الكبيرة لها كحالة جوهرية في صميم حياة سيمون أكثر من كونها شخصاً عابراً كالآخرين من حولها.

وفي السياق ذاته, يبرز تطور مستوى الكتابة مع التقدم في الصفحات, حيث تعكس الصفحات الأولى سذاجة في الكلمات وتسرعاً في الأحكام وانفعالية شديدة, بينما تنضج النصوص فيما بعد و تصبح الكلمات أشد وقعاً, و يعود ذلك في المقام الأول لتطور سيمون صاحبة المذكرات مع الزمن ونضوجها فكرياً وعاطفياً, ما يعطي الرواية إحساساً عاماً بالواقعية المحببة ويبعد عنها صفة الكتابة الروائية لغاية الكتابة الروائية بحد ذاتها.

تطرح دو بوفوار في الرواية أفكارها حول الوجودية والمساواة بين الرجل والمرأة , في إطار تحليلها العميق للحياة بحثاً عن معنى السعادة الحقيقية, إلى أن تصل فكرة الحياة من أجل اللحظة ومن أجل نفسها دون الآخرين وصولاً للتوحد مع ذاتها في كينونة ثنائية بعيداً عن الكون, فتقول وهي في أشد لحظات اليأس من الحياة : ” لم يكن هناك من يقبلني كما كنت, ولم يكن هناك من يحبني, و لقد عزمت أن أحب نفسي لأعوض هذا الترك. سوف أزدوج وأنظر إلى أنفسي وأرصد ذاتي, وقد تحاورت مع نفسي في مذكراتي, وتعلمت الشكوك والتردد وتمتمة الأمل الخفية. وكنت المنظر والنظر, ولم أكن موجودة إلا بي ومن أجلي. وقد سعدت بمنفى أبعدني إلى مثل هذه المباهج الرفيعة و أخذني الدهشة أن أكون قد قضيت هذا الوقت الطويل دونها ” .

مذكرات فتاة رصينة كتاب شديد الروعة و لإتقان : تسلسل منطقي في الأفكار, صياغة رفيعة المستوى, ذاتية تلامس كل قارئ في مكان ما, انسيابية في الصدق والعفوية وحوادث لا تنتهي, مع تحليل خصب للحياة من حولنا بدءاً من الله وصولاً للتفاصيل الصغيرة التي تشكل وجودنا في نهاية المطاف.

جدير بالذكر أن الرواية من إنتاج عام 1958 وهي الفترة التي شهدت مجموعة من كتابات سيمون دو بوفوار التي تعكس حياتها الخاصة ورحلاتها التي قامت بها إلى عدد من دول العالم كالولايات المتحدة والصين, قبل أن يقل إنتاجها الأدبي بانخراطها في العمل السياسي ضمن الحركة النسائية الليبرالية بداية السبعينيات.

  • Social Links:

Leave a Reply