كيف أصبحت الديمقرطية كفراً؟! أحمد الرمح (الجزء الأول)

كيف أصبحت الديمقرطية كفراً؟! أحمد الرمح (الجزء الأول)

 

لعل أفضل ما أنتجه العقل البشري الكهرباء والديمقراطية؛ فالكهرباء أساس لكل تطور تكنولوجي؛ أبدعه الإنسان؛ لتكون الحياة ميسرة ومريحة. وأما الديمقراطية فهي الأسلوب السلمي الراقي للقضاء على الاستبداد؛ ومنع ولادته مرة أخرى؛ كي تتفرغ المجتمعات والعقول للإبداع والتنمية.

لكن مجتمعنا العربي في غالبيته المتدينة؛ ينظر إلى الديمقراطية على أنها تعدي على حاكمية الله؛ وبالتالي فهي ردة وكفر وشرك بالله؟! دون وعي ولا بحث في الظروف التاريخانية التي دعتْ إلى مثل هذا الحكم!.

ولهذا نتساءل هل لازالت تلك الصيرورة التي أدت إلى الحكم على الديمقراطية بالكفر والردة صالحة؟ وهل السيرورة التي مرَّ بها المجتمع نتيجة الربيع العربي تتطلب تغيير الرؤية تجاه الديمقراطية؟ ويبقى التساؤل الأهم كيف أصبحت الديمقراطية عند الإسلاميين كفراً؟.

القصة تبدأ من الهند:

بعد سيطرة البريطانيين على شبه القارة الهندية عام 1858خرجت السلطة من أيدي المسلمين؛ وأصبحت بيد الإنجليز؛ فبدأ مفهوم عودة السلطة إليهم يتأدلج؛ كي يكون له حاضن اجتماعي يسانده؟ هنا أخذ مفهوم الحاكمية الإلهية يظهر؛ ولكن ليس بالصورة الواضحة التي تجعله يكشف عن نفسه أيديولوجيا.

بدأت تحليلات مختلفة لقادة مسلمين هنود آنذاك تظهر مفسرةً التغيرات السياسية التي طرأت في شبه القارة الهندية. ففي حين ذهب مؤسس التيار العصراني (مولانا سيد أحمد خان) (1817ـ 1898) باتجاه المقاومة السلبية للاستعمار البريطاني حتى يحافظ على حياة المسلمين الهنود؛ فدعا لنبذ العنف مع الآخر؟. وطالب مسلمي الهند بالاستسلام للسلطة البريطانية الحاكمة متكئاً بفكرته على مفهوم الجبرية واللاعنف ؟!.خالفه وعارضه المفكر الهندي (صلاح الدين خدابخش) لينقلب على مفهوم إسلامية السلطة؛ ويدعو إلى علمانية شبه القارة الهندية؛ حيث قدم رؤيته في مقال بعنوان(المفهوم الإسلامي للحاكمية) نقد فيه رؤية الحكم الإسلامي للسلطة؛ فالسلطة في الفكر الإسلامي ـ كما في مقاله ـ لا تستطيع تغير الأحكام الشرعية الإسلامية، وهذا ما يجعلها غير قابلة للتطور ومجاراة العصر كما هو الحال في الغرب. وأكد أن الشريعة متغيرة وليست ثابتة؛ ونادى بضرورة فصل الدين عن الدولة؟!.

لكن بسقوط الخلافة الإسلامية ظهر تيار إسلامي مؤمن بعودة الخلافة؛ فأنشأ حركة الخلافة الإسلامية وهي حركة سياسية؟ دعا مؤسسها (محمد علي جوهر) من خلال خطبه للعمل على عودة الخلافة حتى تعود الحاكمية للإسلام. وأكد في تلك الخطب على حاكمية الله.

ثم بدأ الفيلسوف محمد اقبال (1876ـ 1938) يزرع مفهوم الحاكمية وسط المسلمين الهنود!!!! وإنْ لم يفصِّل فيها كثيراً؛ لكنه كان دائم التأكيد على أن الإسلام يقوم على دعامة التوحيد ومن مقتضيات التوحيد أنّ شريعة الله هي العليا؛ ولا توجد سلطة بجوارها إلا سلطة تفسيرها؛ ليس إلا. وكما قيل بأنّ (إقبال) كان يراهن كثيراً على أبي الأعلى المودودي في إيصال أفكاره للناس؛ وهو من أشار إليه بطريقة غير مباشرة لتأليف كتابه ( الجهاد في الإسلام) رداً على (غاندي) حينما ادعى أن الإسلام انتشر بالسيف؟.

ولاشك أن الهنود عاشوا صراعاً كبيراً مع بريطانيا حتى حصلوا على استقلالهم، واشترك في ذلك النضال الوطني مختلف مكونات الشعب الهندي؛ ولكن بعد حصولهم على الاستقلال عام1947 عادت الهند لتتشكل على أساس الدولة الوطنية الحديثة كبقية دول العالم التي ظهرت في حينها.

وبما أن المسلمين كانوا قبل الاستقلال والاستعمار البريطاني متقلدين أمور السلطة السياسية فيها؛ وأن الدعم الأكبر لتحركات (غاندي) هم مَنْ أسهم به؛ كما أشار إلى ذلك خير الدين التونسي في كتابه (تاريخ الهند) هذا يعني أن الدولة الهندية الوطنية ذات الشكل الديمقراطي والبرلماني العلماني؛ ستحتكم لصندوق الانتخاب؛ وقد تشكلت أحزاب سياسية كثيرة في الهند؛ تنتمي للمكونات الأخرى كالهندوس والسيخ؛ وبما أن المسلمين يشكلون أقلية سكانية بالنسبة للآخرين؛ فإن خضوعهم للعملية الديمقراطية والنظام البرلماني، سيخرجهم من السلطة من جانب، ومن جانب آخر سيجعلهم يقبلون بنتائج التشريعات البرلمانية التي ستنتجها المؤسسة التشريعية في البرلمان الهندي؛ حينئذ ستهضم حقوقهم كأقلية سكانية؛ وتُنتهك شريعتهم؟.

في خضم تلك المتغيرات بدأت الفكرة تتبلور عند أبي الأعلى المودودي الذي قرأ المتغيرات السياسية في الهند؛ وفهم تماماً ما ستنتجه الدولة الوطنية الحديثة؛ ونظامها البرلماني؛ فأعلن احتجاجه على هذا النمط من النظم السياسية؛ وبدأ يكتب ويدعو لمعارضتها؟. في ذلك التوقيت ظهر زعيم سياسي يحمل فكرة انفصال الباكستان وبنغلادش عن الهند هو (محمد علي جناح) الذي أسس الرابطة الإسلامية، ولكن على أساس أن يحكم المسلمون أنفسهم في دولة منفصلة عن الهند بالشكل المدني الديمقراطي الذي تأثر به جناح نتيجة دراسته للحقوق في بريطانيا؟.

وكما هي العادة عند تأطير فكرة ما ذات هدف سلطوي أو سياسي؛ لابد من إيجاد اللبوس الشرعي لها؛ لتغدو ذات صفة شرعية تكون جاذبة لحامل شعبي لها؛ ليصبح هذا الحامل حاضناً لها؛ وداعماً في سبيل تحقيقها؛ هنا نادى أبو الأعلى المودودي بالحاكمية الإلهية؛ ليظهر هذا المفهوم وبهذا الاصطلاح لأول مرة في القرن العشرين؟!. فأسس عام1941الجماعة الإسلامية وانتُخب أميراً لها في (لاهور) للدعوة لله وإقامة المجتمع الإسلامي حيث وضع لها المرتكزات النظرية والعملية لعودة دولة الإسلام.

كان يتوافق بدايةً مع دعوة (محمد علي جناح) لاستقلال الباكستان عن الهند؛ وهي الفكرة التي أسس لها الفيلسوف (إقبال) وعمل من أجلها سياسياً (جناح) ونظّر لها فكرياً وعقائدياً (المودودي) ولكن المودودي اختلف مع (جناح) حول نظام الدولة الحاكم للمجتمع في الباكستان؛ حيث كان يريدها المودودي أن تحتكم للشريعة الإسلامية؛ أما (جناح) فأرادها دولة ديمقراطية حديثة؛ تعتمد النظام الحديث؛ ولكن المودودي رأى في ذلك تحايل على الشريعة؛ وتمييع لمفهوم الحاكمية الإلهية التي يدعو إليها؟!. ولذلك انتقل المودودي من النضال ضد الهندوس في الهند إلى المعارضة الصارمة لأفكار (جناح) الذي أصبح حاكماً لباكستان بعد انفصالها عن الهند عام 1947 وأكدّ أن ظنه بجناح قد خاب، وأن استقلال الباكستان لم يوصل الإسلاميين إلى مرادهم؛ لذلك كان شرساً في معارضته لشكل الحكم في الباكستان؟!.

وضع المودودي النظرية السياسية في الإسلام من خلال مفهوم الحاكمية؛ التي تدعو إلى نزع كل أمر أو تشريع يضعه البشر؛ إنْ على المستوى الفردي أو الحزبي أو البرلماني؛ ولا يخضع المؤمنون إلا لحاكمية الله فقط؛ وعليهم عصيان أية حاكمية أخرى. وأكد أن أخطر الأشياء التي ابتدعها البشر؛ وتمثل منافسة لحاكمية الله هي العلمانية والديمقراطية والقومية؛ لذلك فإنّ كل من يدعو إلى هذه الأشياء التي تنازع حاكمية الله؛ أو يقبل بها؛ أو يؤمن بها؛ أو يخضع لها؛ فقد عصى الله ورسوله وخرج عن حاكمية الله وقبل بحكم الجاهلية. ولا توجد سلطة تحكم سلوك البشر؛ وتتحكم بها؛ سوى سلطة النص الديني المتمثلة بقال الله وقال الرسول؟!. ولذلك لابد من الاحتكام للحجة النقلية والخضوع والانقياد لها؛ وإهمال والإعراض عن كل حجة عقلية؟!.حتى قال في كتابه نظريّة الإسلام السّياسيّة: ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدّولة نصيب من الحاكميّة فإنّ الحاكم الحقيقيّ هو الله…وليس لأحد من دون الله شيء من أمر التّشريع، والمسلمون جميعاً ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يستطيعون أن يشرّعوا قانوناً. وتوازياً مع حصر الحاكميّة في الله تُخرَج “الدّيمقراطيّة” ـ بما هي حكم الشّعب لنفسه- من دائرة الإسلام، “فلا يصحّ إطلاق كلمة الدّيمقراطيّة على نظام الدّولة الإسلاميّة، بل أصدق منها تعبيراً كلمة الحكومة الإلهيّة أو الثيوقراطيّة…..وأنّ العامّة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم.

ونلاحظ أن المودودي حين حكم على مَنْ يقبل بالعلمانية والديمقراطية والقومية أو يعيش في كنفها بالكفر والردة إلى الجاهلية؛ كان مقصده من ذلك سياسياً؛ إذ أن الهند بدأت تذهب لنظام جديد لدولتها بعد الاستقلال؛ وهذا الشكل لن يسمح بعودتها إلى الخلافة الإسلامية ولا بعودة المسلمين كقادة سياسيين لها نتيجة الاحتكام إلى الديمقراطية.

من هنا نجد أن حكم المودودي على الديمقراطية بالكفر محكوم بتاريخانية الحدث؛ وأنّ المسألة متعلقة بخروج الإسلاميين من السلطة؛ والديمقراطية ستخرجهم منها؛ لذلك أراد قطع الطريق عليهم بالقبول بها؟!.

ولكن كيف انتقلت الفكرة المودودية بكفر الديمقراطية ودعاتها إلى المجتمع العربي….هذا ما سنتناوله في المثال القادم.

  • Social Links:

Leave a Reply