علي العبد الله يكتب: مأزق بوتين

علي العبد الله يكتب: مأزق بوتين

 

لم يكن الخلاف على تنفيذ تفاهمات لافروف – كيري في جنيف، والاشتباك الدبلوماسي والإعلامي الأميركي/الغربي – الروسي، والاتهامات المتبادلة بعدم الالتزام بالاتفاق، وحملة النقد والتشهير بالموقف الروسي على خلفية التصعيد العسكري في معظم المحافظات السورية، وخاصة مدينة حلب، بوصف عملياتها بـ “البربرية” و “الهمجية” وسلوكها العام بـ “الخداع”، من جهة، ورد موسكو المهدد بزلزلة المنطقة إذا ما هاجمت واشنطن النظام السوري، من جهة ثانية، لم يكن سوى رأس جبل الجليد، فالاختلاف بين الدولتين أكبر وأعمق بكثير من عدم تنفيذ تلك التفاهمات، يرتبط بقضايا جيواستراتيجية وجيوسياسية تشمل ملفات كثيرة عالقة بينهما ترتبت على تصفية تركة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي والنظام آحادي القطبية الذي كرّس الهيمنة الأميركية، والضمانات الغربية التي أعطيت لروسيا لإقناعها بالتخلي عن نفوذها في أوروبا الشرقية، والتي، الملفات العالقة، كانت في خلفية موقف روسيا في الملف السوري وانخراطها في الصراع في سوريا وعليها.

أتفق محللون وباحثون سياسيون على أن الدافع وراء دعم بوتين للنظام السوري وزجه بقواته في الصراع ليس سورياً، رغم أهمية سوريا بالنسبة لاهتماماته الجيوسياسية، بل ما يعتبره خطة أميركية للتدخل في شؤون الدول الأخرى وقلّب أنظمتها الشرعية عبر تشجيع الثورات الملوّنة، وان السكوت على هذه السياسة سيخلق سوابق من غير المستبعد أن تطال روسيا ذاتها يوما ما، فروسيا تتذكر مقولة كيسنجر الشهيرة: “روسيا مازالت كبيرة لذا فهي خطيرة” وتعي دلالاتها ومغزاها ومترتبات العمل بهديها، وتلمس مؤشراته من خلال نشر الدرع الصاروخية في دول الجوار الروسي( تشكيا، بولندا، تركيا، كوريا الجنوبية) وتمدّد حلف شمال الأطلسي نحو حدودها الغربية بضم دول جديدة إليه، على الضد من الوعود التي قطعها الحلف للاتحاد السوفياتي، وروسيا لاحقا، خلال مفاوضات توحيد ألمانيا وانضمام دول أوروبا الشرقية الى الاتحاد الأوروبي، وقد أثار إسقاط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش بثورة شعبية وبدء التفاوض حول انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، هواجس ومخاوف بوتين حيث اعتبر المفاوضات مقدمة لانضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، والذي رأى فيه ضربة لمشروع الاتحاد الاوراسي، الذي راهن عليه كمعادل للاتحاد الأوروبي وكمدخل لاستعادة النفوذ الروسي في دول الجوار، باعتبار أوكرانيا حجر الزاوية فيه، فبدونها يفقد هذا الاتحاد معناه كلية في ضوء حجمها وموقعها الجغرافي وإمكانياتها الصناعية والاقتصادية، وقد علّق زبيغينيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر 1977 ـ 1981، على ذلك قائلاً: “من دون أوكرانيا لن تكون روسيا دولة عظمى”.

فأوكرانيا تقع في نطاق دبلوماسية “الجوار القريب” الروسية القائمة على صيغتين: إما بسط هيمنة موسكو بـ “الواسطة” على دول “الجوار القريب”، كما كان الحال مع أوكرانيا، وما هو عليه الوضع مع طاجيكستان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في منطقة القوقاز، أو تحييدها قسراً ومنع انضمامها إلى حلف الأطلسي، كما هو الحال مع فنلندا وبيلاروسيا، وهذا يستدعي ليس منع دخول أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف الاطلسي بل وتعزيز النفوذ الروسي فيها وبناء علاقة سياسية مستقرة ودائمة معها لما لها من أهمية جيوستراتيجية كبرى: الممر السهلي نحو أوروبا الغربية.

وهذا دفع الصحفي الروسي أوليغ كاشين لاعتبار أوكرانيا كلمة السر لفهم الموقف الروسي في سوريا، ورأى في التدخل الروسي فيها ردا على رفض الغرب للتدخل الروسي في أوكرانيا وضم جزيرة القرم، وتوقع أن يبقى بوتين على موقفه المتصّلب فيها حتى يقبل الغرب الحديث معه حول أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية. يكمن مأزق بوتين الراهن في ثلاثة مستويات، المستوى الأول عجزه عن تحقيق نصر حاسم ضد المعارضة المسلحة ما سيضطره للبقاء في حالة حرب مفتوحة ومجهولة النتائج، فقد اعترف محللون روس في تعليقهم على مرور عام على التدخل الروسي في سوريا “ليس بالنتائج المتواضعة للتدخل العسكري فقط بل وباحتمال استمرار الحرب مدة طويلة”، وما ينطوي عليه ذلك من انعكاسات خطيرة على الوضعين السياسي والاقتصادي، ناهيك عن فشله في تحقيق اعتراف دولي مناسب بدور روسيا عن طريق قبول دول العالم بتشكيل تحالف دولي معها ضد الإرهاب، وفق قول قسطنطين كوساتشيوف٬ رئيس لجنة الشؤون الدولية في المجلس الفيدرالي، وتأكيد وكالة الأنباء الروسية “ريا نوفوستي” “عدم تمكن روسيا من القضاء بشكل نهائي على الإرهابيين٬ بينما لم تشهد عملية التسوية السياسية للأزمة السورية أي تقدم خلال عام كامل على العملية الروسية في سوريا”.

وقد زاد مدى تراجع قدرات جيش النظام والمستوى المتدني جدا للقدرات القتالية للتنظيمات الشيعية، باستثناء حزب الله، التي تعمل إلى جانبه حراجة موقف بوتين(عبّر مصدر سياسي أجنبي عن دقة الموقف بقوله: ” بات فلاديمير بوتين يدرك حدود القوة العسكرية ويعي أن التدخل الروسي في سوريا يواجه مأزقا كبيراً، وأن الغارات الجوية، بغض النظر عن كثافتها، لن تكون كافية لحسم مصير الأرض”).

والمستوى الثاني لمأزقه سقوطه الأخلاقي على خلفية استهدافه المدنيين في الاسواق والمشافي والمدارس، ودعمه نظاما مارس القتل ضد مواطنيه ودمر معظم المدن والبلدات التي خرجت عن سيطرته. وأما المستوى الثالث والأكثر أهمية وخطورة بالنسبة له فرفض واشنطن الدخول في مفاوضات حول الملفات العالقة بينهما والعمل على اغراقه اكثر في سوريا عن طريق تقديم التنازلات فيها وتحميله عبء الملف السوري ونتائجه السياسية والاخلاقية وسط انسداد أفق الحل السياسي. وهذا أثار حفيظته ودفعه الى “الانتقال من دور المتحفظ في معركة حلب الى قيادة معركة استعادة المدينة واقتحام أحيائها الشرقية وتدمير كل البنى التحتية والخدمية والطبية فيها”، وجاء رده على تعليق واشنطن للمفاوضات الثنائية معه بالهروب الى الأمام عبر زيادة عدد طائراته في سوريا، وتعليق العمل باتفاقية إعادة تدوير(تصنيع) البلوتونيوم، وطرحه مشروع قرار على مجلس الدوما يقضي بمد فترة الانتشار العسكري في سوريا الى أمد غير محدود، ما سيزيد في تورطه العسكري والسياسي ويزيد في خسائره المادية والبشرية، ويعمق سقوطه الأخلاقي وتحوّل روسيا الى دولة منبوذة، كما جاء في تعليق وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون

المصدر: المدن

  • Social Links:

Leave a Reply