عدم استثمار الثروات الطائلة بالشكل الأمثل يؤدي إلى كارثة ــ سعد الدين محمود

عدم استثمار الثروات الطائلة بالشكل الأمثل يؤدي إلى كارثة ــ سعد الدين محمود

 

كان من بين قوم موسى أحدُ رجالات المال الكبار المعروفين في ذلك العصر، وهو قارون الذي أُشير لغِنـَاه بأن مفاتيحَ الخزائن الخاصة بأمواله ومجوهراته وبقية المقتنيات الثمينة الخاصة به كثيرةٌ جدا، لدرجة أنه يصعب أن يحملها أحد الأشداء، أوحتى مجموعةِ منهم، وأن هذا الرجل يشابه فيما يشار إليه الآن في عصرنا بالملياردير، وبمعنى آخر وُجِد في زمن موسى، ومن قومه بالذات، شخصٌ يمتلك ميزانية دولة أو أكثر ربما.

إن المهمَّ في هذا الحديث هو مساوئ الارتهان إلى سطوة المال، والطرب لرنين الذهب، والشغف بالأرصدة المودعة في البنوك، وأمثالها.

إن الارتهان لما ذكر أعلاه يُخرج الإنسان العادي من مُحِيطه البشري الطبيعي إلى محيط غريب غير مألوف، حيث يستشعر أنه فوق أقرانه من البشر بشكل من الأشكال، ويعلو عليهم بأفعاله وردود أفعاله، ويستنكر أفهامهم وأعرافهم، و ربما يَعلو على عقيدتهم ومُسلمّاتهم .

إنه يعلو على كل شيء تقريبا،ً وفي الواقع أشبّه الثروات المالية التي يحوزها أحدهم بأنها رافعةٌ ترفع صاحبَها إلى أعلى من المستوى الذي يعيش فيه الأقران، فلا يستطيع أن يتكلم أو يرى إلاّ من خلال المستوى أو البرج العالي الذي وَصل إليه، وقبع فيه..

إن المُقدَّرات المادية الموجودة على الأرض وُضعت لصالح بني الإنسان أصلا، فترى البعض يضعُ يدَه (كفرد وجماعات ودول) على المال والنفط والغابات والمجوهرات والأنهار والبحار واليورانيوم وغيرها..ويتصرف فيها تصرف المجنون حيناً، والعاقل أحياناً أخرى، ويتناسى بان الشرائع السماوية المختلفة قد نصّت بان صلاحية التصرف تنحصر بضوابط كثيرة منها السعي لبناء حضارة مميزة للإنسان (الفرد والجماعة) قائمةٍ على العدل والكفاءة والاجتهاد، فأما الذي خرج عن هذا المفهوم فقد اعتدى على غيره من البشر أولا ، ثم على المنهج الحكيم المقترح الذي وُضع لصالح البشر من قبل خالقهم ثانياً.

إن ظواهر الفساد، والضلال، والانحراف، والشذوذ، تنمو عادة في مستنقعات الغنى الفاحش، التي تظهر هنا وهناك، كما أن الاعتداءات على المحرمات تتطور من حال إلى حال نتيجة التناول المفرط للثروة الطائلة الموجودة في بعض مجتمعات المسلمين وغيرهم من المجتمعات.

إن الارتهان إلى سطوة الثروات الطائلة والعيش بخَدَرها يجعلُ صاحب هذه الثروات في عزلة عن عالم الآخرة، لأنه في ظاهر الأمر قد حاز على كلِّ شيء في دنياه، وأصبح في غنىً عن الآخرين، وعن نصحهم وإرشاداتهم وأفكارهم وعقيدتهم، فهو يستطيع تدبُّرَ أمره بالطرق الخاصة التي يملكها، ونسيَ للأسف أنَّ كلَّ هذا النعيم إنما هوأمرٌ طارئ، وما هو طارئ فمصيرُه الاندثار يوما، كما كان حال ظهوره المفاجىء، ولم يُدرك بعض الأغبياء أن وراءَ كل هذا النعيم هو خالقَ النعيم كلِّه، فيا حسرةً على من تجبّر وتكبّر على الناس لاستغنائه عنهم بإمكانياته الطارئة التي اكتسبها بالصدفة أو بتدبيرٍ منه.

إن حديثَ القرآن موجَّهٌ إلى قارون صاحبِ الثروات الضخمة وإلى أمثاله من البشر سواءَ كانوا مسلمين أم غير مسلمين، بأنَّ من حاز على الثروات الطائلة لا يُعْفَى من الخضوع لربِّ العزه وصاحبِ الفضل، كما لا يُعْفَى من التقيد بأخلاق البشر السَّويَّة، والمطلوب من أصحاب الثروات الفاحشة هذه أن يكبِّروا حاسات الاستشعار لديهم لإدراك العجز والنقص والعوز الحاصل في المجتمع الذي يعيشون فيه ومن خلاله ، حيث يُطلب منهم التخلُّص من شعور الفوقية المريض هذا، كما يُطلب منهم الاعتدال في إنفاق تلك الثروات وبما يحقق لهم السعادة والترف ولكن بدون إفراط .. ويُطلب منهم التذكّر دوماً بأن طبيعةَ الأمور ( كلّها على الأرض ) مؤقتة ولأجل محدّد، وأن ما هم عليه من نعيم سيكون مآله الافتراق يوما.. من أحد الطرفين، فإما أن المال يَهلك، أو أن صَاحِبَه يَهْلك، ولن يبقى إلا ما قدّمه صاحبُ الثروات لنفسه من عبادة، وعمل الصالحات.

إن الكثير من صور الفاقة والعجز والجوع والفقر الذي نشاهده اليوم في بلاد المسلمين يرجع إلى قصور أصحاب الثروات في تبنّي أو مساعدة تلك الشرائح من المسحوقين، وإن نسبة زكاة المال التي تدفع من بعض الميسورين لم تعد تستطيع دفع غائلة وحش الجوع والفقروالجهل والمرض والتخلف في الكثير من البلدان الاسلامية ، وأدّعي شخصياً في الوقت الحاضر بوجود طبقة اسمها (المسحوقين أو المضطهدين!) التي تتطلب طرق معالجةً مختلفة عن الطرق السائدة أو الرائجة الآن، وهذا له بحث آخر…

إن نسبة الزكاة هذه حتى لو أنها دُفعت من كامل القادرين عليها، فإن الفُحش في الفقر والجوع والمرض والجهل والتخلف في كثير من البلدان الاسلامية يجعل الحاجة لأكبر بكثير من نسبة الزكاة هذه، ويجعل الحاجة قائمة إلى المساهمة بجزء من هذه الثروات والأملاك والمقتنيات والأرصدة الهائلة في معالجة الفقر والجوع من أصله وليس بمعالجة نتائجهما، ثم الشروع بمكافحة الذل والمهانة القاتلين المنتشرين في كل انحاء البلاد الاسلامية بفوائض المقدّرات هذه.

إن تجمُّع الثروات وتكدسَّها في أيدي أفراد أو مجموعات يفسح المجال لبناء سد عالي بين الأغنياء والفقراء، فلا يستطيع الفقراء الوصول إلى الأغنياء لعرض احتياجاتهم، ولا يستطيع الأغنياء معرفة الواقع الأليم الحقيقي الذي يحيط بهم لعلو السد القائم بينهم.

إن القاعدة الشرعية الرائعة في إسلامنا تسمح بأن يتنعّم الميسورون بالنعيم الذي هم فيه ولكن دون تفريط أو مبالغة مفضية إلى الشرور والابتعاد عن الفضيلة والأخلاق الحسنة.

كما تنص القاعدة الشرعية على أن الثراء الفاحش يجب أن يقابله شكر وحمد وثناء لله على مَنـِّه وكرمه ، وتؤكد باستمرار أن هذا النعيم هو أحد أوجه الابتلاءات للإنسان، هل يشكُر ويحمد، ويطلب المغفرة والفوز في الاخرة، أم يجحد ويطغى وينأى بنفسه عما حوله!!.

إن وجه الإحسان المطلوب من الأثرياء يتجاوز نسبة الزكاة المفروضة إلى الاضطلاع بهموم، ومشاكل، ومصائب الفقراء، والمحتاجين، والمضطهدين، والمقهورين، عبر مد يد المساعدة لانتشالهم من هذا المستنقع الأليم، ويتطلب من الأثرياء الإحساس والشعور بأن استمرار وجودهم في مجتمعاتهم بالهيئة التي هم عليها يتطلب أن يكونوا جزءاً من عملية تنمية المجتمع وتطويره وتحسينه، فليس من المعقول أن نجد قصوراً شامخة تسطع بأنوار البهجة والسعادة في محيط يغمره الظلام والبرودة والفقر والذل.

(وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يحب المفسدين )) القصص 77

  • Social Links:

Leave a Reply