شعرية الرواية والصراع الاجتماعي حيدر حيدر نموذجاً ــ عبدالله خليفة

شعرية الرواية والصراع الاجتماعي حيدر حيدر نموذجاً ــ عبدالله خليفة

 

لم يستطع أسلوب السرد القصصي عبر التاريخ العربي أن يتغلب على هيمنة الشعر عبر المشابهة الشكلية للموسيقى اللفظية، فالشعر ذو التاريخ الأكبر والمسيطر، بقى مهيمناً على الأنواع، ولذا فإن لغة النثر اليومية كانت غير قادرة على أن تكون مركز استقطاب وسماع وقراءة في البدء حتى جاء القرآن، الذي ظفر بين اللغة النثرية ونقد الواقع وهدم السلطة المتخلفة المفككة لوحدة العرب.

لكن القوى المحافظة اعادت السيطرة على الثقافة وأنواع الأدب حتى العصر العباسي الذي استطاعت فيه بعض الأصوات النثرية طرح مسار التطور العربي الإسلامي للعرض التحليلي العقلي لكن شكلانية اللغة كما في المقامات أو هيمنة اللاواقع والسحر كما في ألف ليلة وليلة، أو سيطرة البطل الخارق كما في السير الشعبية، لم تؤدِ إلى تداخل النثر القصصي مع عمليات التحليل النقدية الاجتماعية العميقة.

وفي العصر الحديث أمكن للنثر السردي الطالع من بين الماضي ومتطلبات الحاضر أن يجمع بين تشكيلات اللغة السردية القديمة وبين الاستيرادات الفنية السردية الغربية في تكوينات تخضع لنظرات الكتاب ومستوى تطور فئتهم الاجتماعية الوسطى وصراعات الواقع المؤثرة عليهم وعليها وفي بلدان عربية متعددة المستويات في التطور الاجتماعي.

مصطلح الشعرية

وقد عبرَ مصطلحُ (الشعرية) المستخدم حديثاً في الأدب عامة وفي القصة خاصة، عن هيمنة النوع الشعري على النوع القصصي، فاعتُبر الشعرُ دائماً أنه النموذج، وقال القدماء (الشعر ديوان العرب)، وقال المعاصرون (الرواية ديوان العرب الحديث) في تأكيد مشترك على تراتبية خاصة لأنواع الأدب ، وعلى دونية معينة لأجناس النثر.

وقد جاء هذا الحس التقديسي للشعر من سيطرة الروح الغيبية على الجاهليين وهيمنة الأمية وضعف المدنية وقدرة الشعر المتسيدة على تسجيل الحياة وحفظ الموروث فيها، فاتحد الشعرُ مع المقدس وكانت ذروة هذا الاتحاد في(المعلقات) حتى جاء النثر عن طريق المقدس كذلك في هذا الخضم التداخلي بين الشعر والنور، بين الكلمة الموسيقية والروح العليا.

إن ظهور النثر كان له تماسٌ خاصٌ مع الشعر ، وحتى عملية القطع والإدانة للشعر في لحظة دينية كبرى، لم تشفع للنثر ريادته الحضارية، فاعتُبر القرآنُ خارج الشعر والنثر معاً.

وفي ظهور النثر الفني كانت هذه التبعية مرئية في الاهتمام بالموسيقى بإدخال جوانب من الوزن واعتماد القافية، حتى إذا تخلص السردُ بعد ذلك من هذا فيما يُسمى بالسير (الشعبية) كان قد فقد لغته العربية القوية وطابعه الفردي التحليلي.

وفي زمن النهضة الحديثة تداخلت جوانبٌ من الأدب السردي القديم بلغةِ الصحافة التي هي استفادة من الأساليب الغربية النثرية، ورغم محاولات السرد القديم المتعالق مع الشعر البقاء عبر إعادة الروح في المقامة لكن هذا الباب تم إغلاقه، (1)

إن انتصار النثر في ميدانه المستقل لم يؤدِ كلياً إلى عدم دخول (الشعر) ثانية في لغة السرد، فكان لجبران خليل جبران تأثير كبير في سيطرة هذه(الشعرية) على لغة السرد وعرقلة توجهها للغةِ التحليل الواقعية.

وسوف نأخذ مثالاً روائياً عربياً مهماً لدرس هذه الصفة ومدى قدرة الرواية على الاستفادة من روح الشعر أو التضرر بها، عبر الروائي المعروف (حيدر حيدر) في بعض أعماله.

الزمن المتوحش

في نصه المعنون بـ (الزمن المتوحش) (2) تسود ذات اللغة السردية المتسربلة بأخيلة الشعر وصوره، وفي الرواية يتجلى ذلك بسيطرة الراوي (شبلي عبدالله) المطلقة على لغة السرد، فهو المشكلُ لفصولِها ولغتِها ولعرضِ شخوصِها وأحداثها، وهو مثقفٌ قادمٌ من الريف محملٌ بكل عواصف الرغبة في تغيير وضع بلده وتغيير وضع الأمة ككل لكي تنهض وتتوحد طاردة أعداءها مسيطرة على فضائها.

يعتمد الراوي على لغة الروي الحرة فهو يتدفقُ ويقطعُ ويجسدُ بإنشائيةٍ شعريةٍ أو بمشهدياتٍ محددة، كيفما أراد، مقترباً من روي موضوعي كذلك دون أن يجعله مسيطراً بشكلٍ كلي على العرض، فهو يتدفقُ بشحناتِ ذاتهِ الملتهبة معبراً عما يحدث ولكن بتلك الرواية الذاتية الحرة.

وتسيطرُ بنية الروي الحر على المعمار الفني تارة بلغةِ الجماعة وتارة بلغةِ الذات الفردية.

من النوع الأول نقرأ :

(بلهفٍ حار نتقدم، ومعنا أغنيات واطفال. معنا اشواق كانت محتجزة، غير مبالين بسياط الرياح والنبوءات العتيقة، مُعمدين بأشعةِ شمسٍ جديدة هي ذي تشرقُ من خلف الهضاب الرمادية المنسية، مبارِكةً الفقراء والرعاة، المنبوذين والحفاة، الصناعَ والمظلومين، وجميعَ الذين هبوا على صوت التاريخ فيمموا شطره فجر ذلك اليوم المدهش)، (3) يعبر الروي هنا عن ضمير جماعي فالسارد يتحدثُ باسم الناس في زمن النهضة العربية الحديثة كما يبدو، رافضاً لغة دينية سابقة، معتمداً لغة دينية عصرية كما في تعبيريه ( معمدين ومبارِكةً ..)، وفي زمنية سردية مفتوحة تعبرُ عن ماضٍ مرفوض وحاضر مرفوض ومهاجَم، دون أن تلعب مصطلحات الزمن مثل كلمة (فجر) أي تحديد ملموس.

ومن النوع الثاني نقرأ :

(عندما سألتني: لماذا قلتَ جدار الزمن؟

قلتُ: معك دائماً أحسُ هذا الجدار.

كانت تجلسُ بقربي على الخوان المزركش، وإذ راحتْ تحكي عن طفولتها، وحياتها الماضية المتعبة والحزينة، كنتُ أشتافُ لحمَها المحروقَ بشمسِ صيفِ دمشق الحار)، (4) ولا يوجد فرق نوعي بين الضمير الجمعي والفردي، باعتبار سيطرة الراوي المطلقة، ولهذا لا قيمة للفصل والقطع بين الفصول، رغم وجود تاريخية تطورية فيها، لكن هذه التطورية تابعة لهيمنة السارد كذلك.

وهذه التطورية المتصاعدة في الأحداث لجسم الرواية تعتمدُ أساساً على تنامي الأحداث الفردية بين الراوي وحلقة الشخصيات التي يحتكُ بها، ويقيمُ علاقاته معها، فهي حلقاتٌ تطورية في فضاء خاص، هو الفضاء الذي يشكلهُ الساردُ بسيطرتهِ الكلية.

إذن ما هي علاقة هذه الحلقة الشخوصية الحدثية الخاصة بالعام، بالبناء الاجتماعي المرفوض والمهاجَم؟

إن الحلقة الشخصوية – الحدثية تتطور من خلال انفصامها عن البناء الاجتماعي، فهي (تتطور) من خلال علاقاتها، بل هي (تتدمر) في الواقع وتتآكل وتقتلُ بعضها بعضاً، في داخلها وليس بالتضاد مع البناء الاجتماعي.

وبالتأكيد فإن البناءَ الاجتماعي يلعبُ دور الصانع المؤثر جداً على هذه الحلقة، لكنه لا يلعب هذا الدور من خلال علاقات محددة مع هذه الحلقة من الشخوص ومن الأحداث.

فهو يلعبُ هذا الدور لكن كقدرٍ خارجي، كسببيةٍ جوهرية غيرِ مجسدةٍ، فيحدث هذا الانفكاكُ بين الخاص والعام، بين الذوات المعبر عنها سردياً، وبين الواقعِ المسيطرِ عليها الخانق لها.

نواصل قراءة إبداع الروائي السوري الكبير حيدر حيدر في روايته (الزمن المتوحش) وهي تمثل لنا صعوبة التوفيق بين ما يسمى بالرواية(الشعرية) ومهام الرواية التحليلية الغائرة في الواقع.

علينا أن نرى في روايات حيدر حيدر أسباب اللغة (الشعرية)، وكيف تعجز الشخصيات المفترض أنها (ثورية) عن صنع الثورة، ولماذا لا يتشابك ما هو شخصي بما هو عام، ولماذا تحدث الهوة بين هؤلاء المتقدمين غير المبالين بـ(سياط الرياح والنبؤات العتيقة )، (المباركين بشمس جديدة) عن فعلِ شيء حقيقي مؤثر؟!

إن الراوي الساردَ المسيطر يعيشُ على مستويين؛ مستوى علاقاته الشخصية المرئية الحقيقية، ومستوى الخطاب الفكري الإيديولوجي.

في تتبعنا للمستوى الأول، سنجدُ إنه يقيم علاقات بشبكةٍ من الشخصيات، فهو يقيم علاقات مع شخصيات نسائية يسعى من ورائها لتحقيق رغباته الجسدية، خاصة مع شخصية (أمينة)، فهذه المرأة تعيشُ مع رجلٍ هو (أيوب السرحان) زوجها ولكن لصفات في هذا الزوج ولصفات في المرأة فإنها تغدو الملاذ الأكبر لكي يحقق الراوي رغباته الجنسية معها، دون أن يلوحُ من هذه العلاقة الواسعة، التي تنتشرُ في الرواية على اتساعها، أي إنتاج سواء ولادي طبيعي أو ولادي ثقافي، وغالباً ما تكون اللقاءاتُ ليلية وتفحُ فيها الرغبة، ولا تتحولُ إلى علاقة تحولية للمرأة أو لابنتها أو لزوجها أو للراوي نفسه.

فنجد أن هذه العلاقة تنقطعُ عن الواقع الترميزي السيء المُراد تغييره، وقد كانت هناك شبه إيماءات لكي تتحول هذه العلاقة إلى علاقة عضوية تردمُ الهوة بين الشخوص والواقع، باعتبار أن الزوج (أيوب السرحان) لـُقية فنية تتراكم فيها كلُ (الشرور) الأخلاقية و(الاجتماعية السيئة).

فهو يتركُ زوجته ليعاشر الصبية وهو صاحبُ أرضٍ تقليدي سابق هجم الفلاحون على إقطاعيته الزراعية وتم تدميره اجتماعياً كطرفٍ إستغلالي مُفترض، ولكن هذه العلاقة تبقى غير مبلورة في السرد، فجذورهُ تبدو غير واضحة، فلا نعرف هل كان من طبقة قديمة مدمرة أم هو فردٌ ميسورٌ تراكمتْ عليه أقدارٌ شخصية عاتية؟

أي هل كان انهيارُ أيوب السرحان نتاجَ فعل ثوري في المجتمع الريفي خاصة، أم هو مجرد (ضحية) من ضحايا القدر كما تعرضُ ذلك الميلودارما القصصية عادة؟!

إن عواملَ احتقار الراوي لهذا الشخص وعوامل الاستنفاع بزوجته، تلعبُ بشكل مرئي مباشر وظاهري دور عدم تضفير هذه الجزئية بالصراع ضد الواقع السيء ولكن ثمة عوامل أكثر عمقاً تقطعُ من هذا التضفير. فيبقى أيوب مجرد سلبية اجتماعية باعتبارهِ تافهاً أو إيجابية اجتماعية باعتباره (حثالة) من بقايا الإقطاع.

وكلا الأمرين جائزان لغياب هذا الربط بين المادة البشرية هنا وهو أيوب، ومحور الصراع ضد الواقع، فأيوب يطفو على جسم الأحداث والعلاقة مع الشخصيتين المحوريتين في حياته الفنية، زوجته الخائنة والراوي الانتهازي، غير قادر على الانفكاك من هذه العلاقة (القدرية) بوضع حد لها، أو بإقامة الراوي معه علاقة تنمية لدوره ولجذوره.

ومع غياب هذين الجانبين فإنه يمثل مادة فنية أولية غير موظفة.

وبهذا نجد أن علاقة الراوي المهيمن بهذه الشخصية غير ذات أثر في ردم الهوة بين المجموعة الشخوصية – الحدثية، وبين الواقع المسيطر الطاحن لها، فهي تتفككُ فنياً ودلالياً، فلا تلعبُ علاقة الراوي بهذه الأسرة دوراً في ردم الهوة، أو في تفاقم الصراع، بل هي شخصياتٌ وحالات تطفو على جسم السرد غير مساهمةٍ في الصراع المُفترض، بل هي تتجاورُ قربَ بعضها البعض غير مفجرة لذلك الصراع.

تتمثل الرومانسية – الواقعية هنا في تعميق الأسود إلى نهايته، وبجعلِ شخصية مثل أيوب شخصية شيطانية، فلا تساهم الموادُ (التاريخية) المُعطاة عنه في نزعِ ذلك التجريد السلبي، كما أنها تضعفُ تطورَهُ وتأثيره في نزع هذه التجريدية ومن دخوله في ردم الهوة بين الشخصيات والصراع ضد الواقع.

مثلما تفعلُ هذه الطريقة نفسُها في جعل (منى) شخصية تجريدية إلى آخر مداها الأبيض المنير. فقد قرأنا مقطعاً سابقاً من حوار الراوي معها، وكيف يتشوق لها، وهو الغارق كذلك في حب أمينة الشهواني، كما فعل نجيب محفوظ في ثنائية الشخصيات النسائية الترميزية المتضادة في رواية الطريق، (5)

ولن نجدَ عن شخصية منى سوى تعبيرات ملموسة قليلة تؤكد وجودها البشري المشكوك فيه، كقتلِ زوجها من طرف شقيقه في مصر، ثم مجيئها لدمشق، ولكن لن نقرأ أي علاقة بشرية متنامية لها، فتتحول إلى ذلك الشبح الأبيض الذي يقولُ إنهُ الحلمُ والنقاء دون ما يؤكده على صعيد الحياة.

إن علاقتها الأنثوية بالذكور تبقى شاحبة، وعبر أقوال، فلا تصطدم كرمز بالملموس وبالنماذج لكي تحفر خصائصها بالتضاد أو بالتوافق.

ولا تختلف بقية أفراد الشبكة الشخوصية عن هذه الأنماط، فنجد أن الشخصية الشريرة الأخرى وهو (وائل الأسدي)، والتي تمثل النظام السياسي تعيشُ في مثل هذا التطييف.

يتم التعرف بين الراوي ووائل الأسدي بعد التراجع عن القنيطرة ومصاب أبيه في الحرب، فيقول عنه:

(في تلك اللحظة الصافية كالدمعة، الداوية كالرعد، احسستُ بأني قريب من وائل الأسدي قربي من سائر المفجوعين الآخرين)، ثم يشير نحوه ساخراً بعد فترة:

(وائل بك المحترم سيد مدينة دمشق وحاميها)، (6)

ثم بعد ذلك لا نرى سيد مدينة دمشق سوى في السيارة المندفعة بسرعة والحاملة للنساء، ثم نجده جلاداً يخفي آهاتِ معذبَيه بالموسيقى، ونقرأ حيثيات من أبيه عن ضياع فلسطين ومعاناة الأب في حرب فلسطين.

كذلك نقرأ موته المفاجئ الفرداني المحض، مما يجيرُ الشخصية لموقع خاص لا يرتقي لدلالات كبيرة، نظراً لأنه لم يحدث صراع بينه وبين تلك الشخصيات الغارقة هي كذلك في مساحتها الفردانية.

ومثلهُ مثل الشاعر سامر البدوي الذي يعيشُ في منطقةٍ ضبابيةٍ سردية(وسامر البدوي وحده يتمرد خارجاً من منطقة الروائح)، (لم يكن صعباً اكتشاف فسحة بؤرته المركزية التي تمتد لتطال الآخرين، ولا حماسته لخلق إشعاعات مغناطيسية، تقول ساحة الأنا فيها: مني تصدر قيم الأشياء وإلي تعود)، (7)

وسامر البدوي المتمركز حول ذاته مثله مثل بقية الشخوص، ومثل راني المنـظر الذي يسافر إلى بيروت ويعيشُ فيها من أجل الدراسة التي لا تنعكس على واقع الحياة.

ثم لا ننسى زوجة الثوري التي تغري كثيراً الراوي بجسدها ولكنها تـُقتل بيد زوجها لأنها رفضت أن يسافر إلى مهمته الفلسطينية النضالية، وفي حدث ميلودرامي فاقع.

فالشخصيات سواء كانت مسيطرة أو مسيطر عليها، وسواء كانت سورية مواطنة أم فلسطينية مهاجرة، وسواء كانت في بؤرة الروي أو على ضفافه، وسواء كانت عادية أم مثقفة، لا تعيش بنية اجتماعية صراعية مترابطة، فيغدو النمو السردي نمواً شخصياً بلا حفر في تلك البنية الاجتماعية المحددة.

والمستوى الثاني للسارد المهيمن هو المستوى الفكري الإيديولوجي كما قلنا، وهو مستوى منتشر ومتداخل ومتصارع ومتعاون مع المستوى الأول.

فالمستوى الأول يعرضُ ذاته التي لا تحفر في بنية اجتماعية محددة، فتغيمُ حالاتـُها وشخصياتها في سديم غامض، لكننا ندرك أنها متقوقعة في ذواتها غير قادرة على تشكيل صراع اجتماعي، فيأتي المستوى الإيديولوجي ليعبر عن هذا الصراع بأشكال متعددة، تعويضية عن بروزه الملموس المتصاعد.

وهناك حشودٌ كثيرة من هذه اللغة الناقدة بعنف لمصطلحات الدين، والمتعاطفة مع دين صوفي يهدم التراتبية الرمزية، وفي هذه اللغة انتقادات اجتماعية ضد السلطة المطلقة وفيها تعميمات عن التاريخ العربي الإسلامي كله، وفيها حشود من الأسماء والحالات التاريخية والسياسية المعاصرة.

ومن أمثلة ذلك:

(راني، هل قرأتَ حي بن يقظان؟ أنا أرى أنه نموذج في الوصول للمعرفة، والعرب يمكنهم في هذا الزمن أن يصلوا وجودهم بالعصر بطريقة مماثلة).

(إنني اعتقد أن مشاريع ثورات العرب كوكتيل عجيب من الدين والقومية والماركسية المبسطة).

ثمة كلمات كثيرة عبر هذه اللغة التعميمية الفكرية وهي تحاولُ أن تجدَ سببياتٍ عامة لتاريخ العرب، كما أن هناك كلمات عديدة عن الفترة السورية المحددة المروي عنها وتحاول الاقتراب من هذا النظام الغامض في السرد:

(جيل استلم التغييرَ يغازلُ رجالَ الدين والتجار والبورجوازية. غارقٌ في الانتهازية والسلطة والامتيازات والتقسيمات القبلية. هؤلاء من أين خرجوا؟ أليسوا منا.)

وهذا اقتراب من التحليل الفكري لكن سرعان ما يجعله معمماً غامضاً:

(انهم يتعثرون لأنهم جاءوا قبل الوقت. في دمائهم قرون من النقص التاريخي والنفسي ولهذا فهم عاجزون عن تنفيذ مهام الثورة)، (9).

وهو في اقترابه (التحليلي) هنا لتحديد طبيعة السلطة والنظام سرعان ما يحيلهما إلى أسباب غيبية، ولهذا فإن بناء المستوى الأول من الروي التجسيدي الحدثي التصويري يتطابق مع المستوى الإيديولوجي الذي يحوم على السببيات الموضوعية ثم يحلق خارجها.

فهو في المستوى الأول لا يقيم بنية صراعية تكشف طبيعة السلطة القائمة، ثم هو في المستوى الثاني يطلقُ سيلاً من التحليلات لا توصل كذلك إلى طبيعة تلك السلطة الشمولية الفاسدة.

ولهذا يكون نمو الرواية ومخرجها هو في خلق العلاقات والصراعات الشخصية التي لا تصل في النهاية إلا إلى مخرج ميلودرامي في حادث القتل غير المبرر، وفي موت شخصيات أخرى بلا توظيف فني مفيد.

تمثل رواية (وليمة لأعشاب البحر) رواية مكملة لعملية البناء الروائي للروائي السوري الكبير حيدر حيدر، ولكنها تنمو باتساع ضخم، وبلغة أكثر حرارة وقوة، فهي تتوجه لمجتمعين عربيين ضارين بالصراع الاجتماعي، فهل استطاع الروائي أن يضفر تلك الشعرية بعمليات التحليل الورائية العميقة؟

كانت رواية (وليمة لأعشاب البحر) أسبق من رواية الزمن المتوحش في الصدور، ولكن نحن هنا لا نتناول التطور التطور للبنية الرواية، بل مبناها الفني، فنرصد المبنى العام.

تدور رواية (وليمة..)، حول شخصيتين عراقيتين مهاجرتين إلى الجزائر، وتتركز بؤرة الأحداث في ماضي هاتين الشخصيتين، فيغدو الماضي هو المسيطر عليهما، كما هو مسيطرٌ على وعي الشخصيات الجزائرية التي تدخل في علاقات مع هاتين الشخصيتين، فيغدو الفعل الأساسي ماضوياً، بينما يلعبُ الحاضرُ دوراً محدوداً في تنمية الفعل الروائي، ومن هنا فليس ثمة حفر كبير في الحاضر، أما الماضي فهو منجز ومنتهٍ، ويظهرُ عبر الوعي التذكري.

إنهما (مهيار الباهلي، ومهدي جواد) ينضحان بتجربتيهما المرتين المصارعة ضد (الخيانة) و(الانتهازية).

وتلعب اللغة الشعرية والبنية المشهدية المتصاعدة دورين متداخلين، فالحاضر يتكون عبر البـُنى المشهدية الموضوعية المتصاعدة، التي يكون دورها زرع الشخصيتين العراقتين في الظرف الجزائري، حيث يقوم كل من (مهيار) و(مهدي) بالسكن لدى شخصيات محلية، وإقامة علاقات معها، والشخصية العراقية الأولى (مهيار) هي الأكثر حضوراً في هذه اللقطات المشهدية المتنامية، باتجاه علاقات غير صراعية وتحليلية كبيرة مع الوسط الجزائري، فالواقع أقرب للسكون رغم بعض الأحداث المهمة كظهور علاقة بين العراقي والفتاة المتعلمة للعربية (آسيا) التي تدخلُ منحنيات العلاقة بين إنسان أكبر سناً وصاحب تجربة مريرة وفاشلة في النضال السياسي، وفتاة بسيطة بلا تجربة، ويتركز طموحُها في تعلمها، ولكن العلاقة التعليمية المتحولة إلى علاقة حب تصطدمُ بالوسط المحافظ وبعقد الرجل، لكن العلاقة تنمو في المنزل وفي جغرافية الوسط المحافظ: ساحات، وشوارع، وشواطئ، ويظهر المناوئون لهذه العلاقة من مراهقي شوارع ومن حماة بيتيين للفضيلة كزوج الأم، ولكن العلاقة تتكلل بالنجاح سواء بتعلم آسيا المزيد من العربية أو بنجاحها الدراسي.

في حين أن العراقي الآخر(مهدي جواد) يعيش تجربة نظرية أكثر من تغلغله في ملموسيات وحدثيات راهنة، رغم مناوشات المرأة الجزائرية التي يسكن في بيتها لإدخاله ضمن عشاقها الكثيرين، لكن كبر المرأة وأمانته لحبه الوطني تجعله يمتنع حتى يتحرك جلدهُ النظري المتيبس في آخر لحظات تواجده في الجزائر وفي الرواية.

وبهذا فإن حراكَ البطلين في الواقع الراهن يبقى محدوداً إن لم يكن عدمياً، إذا تجاهلنا الحفلات التي يقيمها العراقيون المختلفون ويتشدقون فيها بالسباب البذيء ويتعاركون ويكتبون التقارير ضد بعضهم البعض أو ما يقوله البطلان عن الواقع الجزائري (الراهن) الذي استولى فيه بومدين على الحكم وأزاح بن بللا، فحكم العسكرُ (الاشتراكي).

إذن فإن حراك الرواية هو باتجاه الماضي، فانغلق الحاضر على ذاته، في البلدين العراق والجزائر، وصار الماضي يتدفقُ على دفعاتٍ وامضة ثم كاسحة تجعل الروي يلتهبُ بالفعل.

تتماثل تجربة الشخصيتين العراقيتين في الفعل، فهما من تيار واحد، وفي مواقع تنظيمية وعملية مختلفة، فهما (شيوعيان) في تنظيم له تجربة طويلة في العمل السياسي؛ (الحزب الشيوعي العراقي)، وهذا ما يدعو الرواية لأن تأخذ طابعاً أرشيفياً تاريخياً يضعُ عملَ البطلين في سيرورته، ومن وجهة نظر هذا التنظيم، التي تغدو وجهات نظر متصارعة.

والتأريخ الروائي، هو طابع العمل ككل، فهو يتوجه لتأريخ لحظة الحرب الأهلية العراقية من وجهة نظر تلك الإيديولوجية الشيوعية الوطنية، التي تعتقد بإمكانية الاشتراكية وقتذاك وإمكانية تصفية الأستغلال عبر ثورة شعبية عمالية الخ.

ومن هنا فهي تعتبرُ وضعَ الفقر العام هو وضع الأخوة والتعاون والذي من الممكن أن يرتقي إلى الأشتراكية، ولكن الانتهازية في الحزب هي التي ضربت هذه الإمكانية، فكرست تاريخاً من الهزائم، وعبدت الطريق لنموذج صدام الذي يأخذ أسماً فنياً ترميزياً.

وهكذا فإن التأريخ الذي تقوم به الرواية هو المهمة المركزية في إنشائها، وتغدو العودة إلى مكان صنع الثورة المسلحة، وهي الرد على سيطرة الانتهازية الحزبية، هي عوداتٌ مستمرة تأخذ الحيز الأكبر من جسم الرواية السردي، خاصة أنها أحداث مشوقة، فيها صراعاتٌ مسلحة وهجوم على مخفر، وحصار للمجموعة المسلحة وقتل لأفرادها، وكشفُ بيانٍ لوجهاتِ النظر الحزبية المتصارعة داخل الحزب حتى يصل التأريخ هنا لوضع الأسماء الحقيقية للجماعة المنشقة، وللقيادة (الانتهازية) بحيث تصير هذه الفقرات المطولة جزءً من أرشيف حزبي تاريخي .

يتماهى السارد وهو المؤلف حيدر حيدر مع وعي البطلين، لكنه يتماهى أكثر مع (مهيار) الذي تقود شجنيته وتأزماته إلى خصب أكبر للسرد الروائي هنا، وهو أمرٌ يشكلُ التوغلَ الثر في شخصيته وجذورها، حيث هي شخصية متأزمة منذ فتوتها، خاصة أن العودة المستمرة للماضي يبعد الروي الحاضر في الجزائر الساكنة صراعياً، عن التجمد والإملال، حيث لا أحداث مثيرة فيه، لكن العرضَ الماضوي لا يكتفي بوجهة نظر الشخصية المحورية بل يعرضُ وجهات نظر أخرى بشكل طفيف، فتغدو المغامرة العسكرية لجماعة الكفاح المسلح في الأهوار هي اللغة السائدة، وحين يتم العرض (الموضوعي) هذا يرى القارئ هزال تجربة هذا الكفاح المسلح الذي تتغنى به الرواية كثيراً.

إن الواقعية – الرومانسية تظهر هنا بشكلِ هذه الاشتراكية الوطنية، حيث الفقراء المتحدين والقادرين على القفز التاريخي، وتتحول القفزة إلى تغنٍ حالم وأسطوري وشعري بهذه الإمكانية التي سوف تضع حداً للفقر والأستغلال والتباين الاجتماعي بين الناس، فتدخل (الشعرية) هنا لتضفي مزاجاً عاطفياً آخاذاً في العديد من الفقرات، غائصة في البدء الحضاري الرافدي، وفي الوصف الطبيعي للسواد النهري، ولهذا فإن التحليل الموضوعي يتقطعُ، ويأخذ الساردُ هيمنة مطلقة على العرض، فيحيل الأيديولوجية اليسارية غير المعترفة بموضوعية البنية الاجتماعية وقوانينها إلى دين، ويحيل الثوار المسلحين إلى أنبياء وشهداء.

إن السارد لا يغوص في تشابكات الواقع وتناقضاته المتعددة، بل يرتفع عنها، فنخبوية الفكرة تقدو غلى نخبوية الجملة، فالسرد (الشعري) يستولي على كل شيء تقريباً، فبإستثناء سرد مهيار الباهلي التقريري لجانب من أحداث الماضي، وحوارات متقطعة، سريعة وخطب مطولة لفلة بوعناب، فإن السرد الوصفي، الجميل، المنساب مطولاً بين الغابات والبحر، يغدو هو المسيطر على للغة الروائية. إن لوحات كثيرة تبدو مصوفة ومسرودة لذاتها، وتتحول علاقة مهدي – آسيا غلى محور هذا السرد المجنح المطول، والذي يرهل الرواية في العديد من الزاقع.

إن عدم عتماد الوراية على الحورات، وتصادمات الأحداث والشخصيات، هو أمر يضعف تلك الخاصية (الشعرية)، لكن سيقوي شعربة الواقع، شعرية التحليل التصادمي المتوغل في لحم الحياة الحقيقي.

إن مثل ذلك السرد الشعري المطول هو الذي يعطي الفكرة النخبوية، والمغامرة المسلحة لتحويل الواقع، إمكانية أن تكون مبررة.

في حين أن تحليل الحياة سيكشف تناقضات الفكرة المؤدلجة، ولكن من جهةٍ أخرى سيقود إلى إكتشاف الإمكانيات الحقيقية لدى الناس لتحويل الواقع.

هذا عرض ملخص لبحث مطول، ولا ينقص من أهمية الرواية الهامة التي تشكل بحق إضافة فريدة للرواية العربية.

  • Social Links:

Leave a Reply