إنها اسطنبول

إنها اسطنبول

ابن النور

هذا الليل صاخب بالأرق ، كان يناشدني كي أعزف بخطواتي لحناً شامخاً كالأرض ، هذه الأرض التي لم أستكِن لرائحة تُرابها البتّة ، إنها اسطنبول إنها مدينة خالية من التُراب خالية من غناء الدِيكة على سمفونية الفجر ، خالية من الياسمين من ضجيج النسوة من لذّة القسوة ، خالية حتى من نشوة أن تفشل في أمرٍ ما ، الفشل فيها قُرباناً لثّلة من سنين عمرك.

في هذه المدينة لا أحد يستطيع أن ينكمش على نفسه في مساءٍ دسِم بأديم السماء ، مدينةٌ لا تفقه لغة المجانين ولا تعي مدى جمال أن تتحسّس جدرانها بكتفك المأكول نصفه ولا يمكنك أن تلوي عنق الحنين أو تبتر ساق الأمل أو تُحنّط تمثالاً لأهازيجك الشَّاذّة في حناياك ، هذه المدينة مُقرفة برتابتها ونظامها الإعتيادي ، هنا لا تستطيع مثلاً أن تكسر كأسك لتواسي حُطامك الذاتي خوفاً من صوت حُطام الكأس ، لا تستطيع مثلاً أن تركض صارخاً في زحمة الشوارع لتُرتّب زُحامك المُتراكم المُطبق على صدرك ، لا تستطيع مثلاً أن تهتك غصن وردةً كي تهب وريقاتها للأثير ، هذه المدينة يا ابنتي أصبحت خالية من كل شيء ، كل شيء إلّا منكِ ، أنتِ الوحيدة المنثور عطرها في ظلال القرنفل ، المرسوم طيفها في سمائها المكسوّة بالهيبة ، المسكونة بخطواتكِ أينما ذهبت وأينما حللت وأينما نظرت ، هذه المدينة يا ابنتي كانت بالنسبة لي الأُنثى الوحيدة على وجه الأرض التي لا يفوق جمالها وهيبتها وسحرها أُنثى ثانية ، إلى أن عرفتكِ فأيقنت ما رأيته من أطغاث أحلامٍ وأيقنتُ أنك الواقع الأوحد الذي يستحيل التملّص منه والسكون لغيره.

  • Social Links:

Leave a Reply