تفجير الكنيسة البطرسية.. أزمة الدولة مع المفاهيم ــ أحمد أبو دوح

تفجير الكنيسة البطرسية.. أزمة الدولة مع المفاهيم ــ أحمد أبو دوح

 

تفجير الكنيسة البطرسية في العباسية فتح جروحا عميقة لا تريد مصر الاقتراب منها. الإرهاب يشهد خروجا عن السيطرة. لم تعد المشكلة في عجز قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات عن إحباط هجمات تستهدف الأقباط بإصرار. المشكلة صارت بنيوية.

في سعيه لتحقيق أي شكل من أشكال الاستقرار، يقع النظام في مصر في فخ انعدام الاستقرار. كل يوم يموت فيه أحد رجال الشرطة أو الجيش يشير إلى أن استراتيجية السلطة في مواجهة الإرهابيين تعمل بنجاح، وسياستها في مواجهة الإرهاب تزداد فشلا. النظام المصري يحارب الإرهابيين، وبشكل غير مباشر يدعم الإرهاب.

كيف يحدث ذلك، بينما شرعية الحكم التي حظي النظام من خلالها بقبول المصريين هي وضع حد لحكم الإخوان المسلمين ومحاربة الإرهاب؟

النظام في مصر يتكون من الرئيس والجيش وأجهزة أمنية سيادية تتحكم جميعها في المشهد السياسي الداخلي، وتشكل ملامحه وتتلاعب بأوراقه طوال الوقت. هذه البنية السياسية تحتاج إلى مرجعية شعبية هي مجلس النواب، وأخرى قانونية تتمثل في القضاء، مازال ينقص الشرعية الدينية. هنا تكمن المشكلة.

المرجعية الدينية في مصر تنبع من مباراة أزلية لإحراز النقاط بين الأزهر والسلفيين. منذ سبعينات القرن الماضي وجد الأزهر شرعيته كمرجعية وحيدة تتآكل تدريجيا في مواجهة فكر سلفي وافد خصوصا من دول خليجية تشهد وفرة كبيرة في عوائد النفط، ويحظى بدعم من الدولة لمواجهة صخب اليساريين والناصريين.

الاعتدال الذي كان الأزهر يمثل منارته كان نابعا من قدرته على التحرك والمناورة بحرية في ساحة الدين التي لا ينافسه فيها أحد. اليوم صار له شركاء كثر يستولون منه على الأرض، ونجحوا تدريجيا في السيطرة على مجال الأزهر الحيوي وهو المسجد.

بعد ذلك ظهرت أشرطة الكاسيت ثم القنوات الفضائية التي دخلت كل بيت، بالتوازي ذاع صيت سلسلة طويلة من الكتب التي وضعت لاحقا الأسس لفلسفة الجهاد في العالم الإسلامي كـ”معالم في الطريق” لسيد قطب و”الفريضة الغائبة” لمحمد عبدالسلام و”كلمة حق” لعمر عبدالرحمن وغيرها. طوال هذه الفترة لم ينتج الجيش الجرار من علماء وشيوخ الأزهر كتابا واحدا، ولم يطلق قناة فضائية، ولم يعقد مؤتمرا وحيدا قادرا على مواجهة هذا المد السلفي الكاسح، أو معادله الإخواني في الداخل. خسر الأزهر معركة العقول، واستسلم أمام انهيار دفاعاته هو أيضا وتدفق السلفيين والإخوان المسلمين ليحتلوا عقله الأكاديمي، ووجدان الأمة بأسرها.

كانت النتيجة النهائية هي تحول الأزهر إلى قلعة يشع منها الفكر السلفي والإخواني، بعد أن اتخذ صيغة رسمية. أخيرا اكتمل الضلع الناقص للمرجعيات الأربع في مصر وهو ضلع المرجعية الدينية.

المأزق هنا أن دور الأزهر وفقا للعرف السائد منذ ثورة يوليو 1952 مكنه من التدخل في كل شيء. أفلام السينما والروايات والكتب والمقالات صارت تمر أولا على مصفاة دينية يشرف عليها مشايخ الأزهر. المناهج الدراسية ورسائل الدكتوراه في الجامعات وحتى البرامج التلفزيونية صارت تخضع لرقابة صارمة على المحتوى من قبل “السلطة الدينية” غير الرسمية التي صار يمثلها.

الواقع المهيمن اليوم هو أن المظلة الدينية للنظام الرسمي في مصر هي تعاليم السلفية المتشددة وفلسفة الإخوان اللتان صارتا تتحكمان في كل ما يجري داخل الأزهر.. لكن هذا ليس كل شيء.

خلال الصراع السياسي الطويل بين الدولة والإخوان المسلمين، كانت هناك دائما فترات تعزيز للقبضة الأمنية عبر اعتقال معظم قادة الإخوان، خصوصا عندما كان يشعر النظام بخطر حقيقي. ما عدا هذه الفترات، كانت العلاقة قائمة على الاتفاقات المتبادلة وعقد الصفقات السياسية، التي كان آخرها تمكن الإخوان من الاستحواذ على 88 مقعدا في برلمان عام 2005، بالإضافة إلى العلاقات الوثيقة التي جمعت بين المجلس العسكري والجماعة في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011.

لكن كان هناك دائما دستور ثابت وموزع على كافة الأجهزة الأمنية، يتضمن تعليمات واضحة بأنه بغض النظر عن مسار العلاقة مع الإخوان المسلمين، سيحافظ الأمن دائما على علاقته التي لا مفر منها بالسلفيين.

أغلب الذين يشغلون اليوم مواقع المسؤولية داخل الأجهزة الأمنية، التي تحولت في وظيفتها إلى أحزاب سياسية، ينتمون إلى الجيل الذي تربى على التعاليم الدينية الجديدة على مصر. معظمهم من مواليد الستينات وأوائل السبعينات. هذا جيل كبر على أن المرأة لا تتحرك من دون محرم، وأن أهل الذمة مازالوا ملزمين بدفع الجزية، والنقاب “فضيلة” إن كانت المرأة تحب الاستزادة في دينها.

مشكلة علاقة “الطبقة الأمنية” في مصر بالسلفيين تكمن في تعقيدها. القيادات الأمنية وأصحاب القرار داخل أكثر الأجهزة حساسية يؤمنون حقا أن رؤوس السلفية كمحمد حسان وياسر برهامي ومحمد حسين يعقوب وغيرهم هم من يمثلون صحيح الدين. العلاقة لا تقتصر على تفاهمات سياسية أو تنسيق أمني فقط.

هذا التشابك العضوي في الرؤى والعقيدة بين النظام الحاكم بكل مؤسساته والسلفيين جعل من الأقباط الضحية. انتشار مفاهيم تكفير المسيحيين، وذيوع مصطلحات “أهل الذمة” وتحريم معايدة القبطي في مناسباته الدينية كانت القشرة الظاهرة على السطح الذي يكمن أسفله توغل أعمق بكثير للتشدد في وجدان المجتمع.

الهجمات المكررة على كنائس ودور عبادة مسيحية في قرى صعيد مصر أو في الدلتا ليست حوادث عابرة. هذا تعبير لا يحمل أي درجة من شك عن مدى تحول السلفيين إلى قادة لهذا المجتمع المحاصر.

تقاعس الأزهر وكل المؤسسات الدينية الرسمية في مصر عن الإقدام على أي خطوة تجاه تجديد الخطاب الديني هو نتيجة طبيعية لعدم إيمان هذه المؤسسات بأن الخطاب الديني يحتاج أصلا إلى أي تجديد. دعوات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نفسه إلى مراجعة المناهج الدراسية على الأقل، أو إعادة النظر في الرسائل التي يقدمها المشايخ للشباب، كانت تستقبل بفتور وعدم اكتراث من قبل هذه المؤسسات التي تعرف جيدا أن النظام غير جاد في ما يطلبه.

يكفي عشر دقائق فقط لتبادل حديث ديني على أي مستوى مع أحد قيادات الدولة في مصر، كي تدرك أن هذا النظام لن يقوم بتجديد أي شيء.

ليس غريبا استهداف الأقباط في مجتمع كهذا. طالما ظل هذا الفكر مسيطرا على المجتمع، من أعلى طبقاته الحاكمة وصولا إلى قراه في أطراف البلد، سيظل الإرهابيون معتقدين أن المسيحيين هم العقبة الأولى أمام تحقيق حلم الدولة الإسلامية “النقية”، وستظل الدولة تحارب الإرهابيين بينما تتحالف مع الإرهاب.

  • Social Links:

Leave a Reply