ظننت أننا تحررنا

ظننت أننا تحررنا

حسين بصبوص
كلمات رنت في أذني يوما ما عندما كنت طفلا في الثورة، ظننت أننا تحررنا عندما خرجنا نصرخ حرية، نعم كانت بداية التحرر من سلطة الأب والولد إلى الأبد. حينذاك لم تكن أحلامي تتجاوز القيام بعمل مسرحي قصير، ضمن ظروف ومعطيات المرحلة التي نعيشها. في ذلك الزمن حلق الأخضر عالياً، وأصبح الهواء أنقى مع اختفاء دوريات الأمن التي كانت تلاحقنا في أعين الليل، لم أكن أدرك بعد ما يجري في المحيط القريب مني مطلقاً، فقد طردنا الخوف بعيداً، لكن ما حصل في ذلك اليوم دفعني للوراء قليلاً.

لحظة عليك التفكير فيما تفعل، أنت الآن لست وحدك في هذه الساحة، بل هناك غيرك ينتظرك بعيداً، ليرى من أنت حتى ينقض عليك كالفريسة.
كان المنتدى الثقافي الاجتماعي زمام المبادرة – الذي أسسه الشهيد “قاسم حماد” – اللبنة الأولى التي انطلقت منها للتعرف على مدنية الدولة، وضرورة العمل الجماعي التشاركي، و إيماني به. ولأنني من عاشقي المسرح، طرحت حينها أن نعمل أنا وبعض الأصدقاء على عمل مسرحي مقتضب، يشرح باختصار دورة الثورة منذ بدايتها إلى اليوم الذي كنا فيه.
بكل حب وشغف شرعت بكتابة النص “صحوة ضمير” ، كان فحواه أن يسلط الضوء على اجرام النظام السوري من ناحية، وعلى الفساد الذي لحق بكافة المؤسسات الثورية آنذاك. أتممنا العمل على مقدراتنا كمتطوعين بأضعف الإمكانيات، وهذا وحده أيضاً تحدي آخر لما نحن فيه.
قبل العرض بثلاث أيام أتممنا ( البروفا ) الأخيرة لعملنا المتواضع في ساعة متاخرة من الليل، ثم خرجت لأجلب بعض الطعام للأصدقاء، وحين عدت وجدت الخوف والرعب في أعينهم. لم يكن أكثر من عكس يدوي متفجر رماه مجهولون على بوابة الصالة لينفجر بعيدا عنها بأمتار قليلة. ماذا لو كان الانفجار في الداخل؟ انهالت الأسئلة في ذهننا.
من البديهي جدا الاتصال بمركز أمن المدينة الثوري ” الكتيبة الأمنية ” ، فلم يختلف جوابهم عن جواب الشرطة في عهد الأسد (لا يوجد سيارات لنأتي بها إليكم ).
تتطوع أحدنا على أثر ذلك بمراقبة وحراسة المركز خوفاً من أي طارئ، تجاهلنا الأمر، وتجاهلنا رد الأمنيين لنا بهذا الجواب، وما هي إلا أيام حتى نمثل أمام حشد كبير من المتابعين لأنشطتنا في هذا المركز.

بدء العرض بنجاح، وبعد لحظات علت الأصوات في الخارج، فساد الصمت قليلاً. الجميع يريد أن يعلم ما يجري، حينئذ لم نتوقع أن تلبي الكتيبة الأمنية ندائنا قبل أيام، وها هي اليوم تطوق الحي الذي نحن فيه بسيارات عشر، وأبطال مدججون بالسلاح،
سررت لمجيئهم، كنت أظن أنهم جاؤوا لضرورة الأمن والحماية، ولكن خاب ظني حين سمعت صوت أحد الأصدقاء، والذي كنا نشبك أيدينا بيديه صارخين (الله سورية حرية وبس)، وهو يقول ” أوقفوا هذه المهزلة الاختلاط حرام بين الذكور والإناث “.
صدمت بما جاءت به ثورة هذا الشاب، وما جاءت به ثورتي، ألم نكن سوياً يوماً ما في شارع ما لهدف واحد؟!.
نعم أوقفوا العمل تحت سطوة السلاح، مدعين أن ما يجري في هذه المركز أمر مشين، ومسيئ للأخلاق، عندها لم يكن بوسعي إلا أن أصرخ: بوركتم يا أصدقاء، بوركتي يا ثورتي بفرع الأمن التاسع عشر.
نعم ظننت أننا تحررنا

  • Social Links:

Leave a Reply