الــتـــمــــويــــــل الــــوطـــنـــــــي ..

الــتـــمــــويــــــل الــــوطـــنـــــــي ..

 

ريان أبو جبل

 

لطالما كان المال الخارجي عاملاً معرقلاً وليس داعماً ، فهو من جهة يثبّط همة الناشطين الذاتية، وينشر ظاهرة التخوين والحسد في العديد من الحالات، فضلاً أنه يربط بنسبة أو بأخرى الجهة المموَلة بإرادة المموِل السياسية. كان من المناسب أن يولي الناشطون والبنى السياسية والمدنية “ملف التمويل والامداد” الأهمية, أسوة بغيره من الملفات السياسية والاجتماعية والاعلامية، غير أن هذا الاهتمام بأغلب الحالات لم يتم التعاطي معه بشكل منهجي ومدروس, مما عرقل الروح الثائرة وترك أثراً مدمراً لأخلاق الثوّار .

كثيراً ما سمعنا أن سوريا هي أغنى دولة عربية أو من أغناها، ورغم أن جزءً لا يستهان به من سوريا خرج من سيطرة نظام الاسد, غير أن أغلب الموارد الوطنية الذاتية في تلك المناطق لم تستثمر بالشكل المطلوب، حيث من المؤكد أن سيطرة الفصائل المسلحة على الحياة المدنية وإدارتها ساهمت في هذا الإخفاق. كما فاقم ذلك القصف الوحشي من قبل النظام وحلفاءه, الذي تسبب –فضلاً عن الموت والدمار- عدم القدرة على ديمومة العمل واستثمار الموارد بشكل آمن ومستدام، لكن غياب الإدارة الجيدة لتلك الموارد المتاحة (الزراعية والثروة الحيوانية وحتى المعدنية … وآليات التبادل السلعي)، وربما عدم وجود خطة للإستثمار الذاتي بالأساس .

بات ضرورياً أن يعالج “ملف التمويل والامداد” ويولى الاهتمام الكافي, بهدف الوصول لتعدد مصادر الدعم والحفاظ على مركزية إدارة التمويل, فضلا عن تشجيع التمويل الذاتي الوطني ليغطي نفقات الفعاليات المدنية والعسكرية, و هذا مهم جداً لكفّ يد الدول والحكومات والأجهزة التي تستثمر بدماء أهلنا لتحقيق أجنداتها ومصالحها، ومهم جداً السعي لتأسيس نظام اقتصادي تشاركي تعاوني ذاتي من شأنه أن يشعر الإنسان السوري بأن الخروج عن نطاق سيطرة النظام التعسفي المافيوي يعطي مخرجات مقنعة, فيها الحد االكافي من العدل والكرامة .

كان من المناسب أن ينبري بعض الاقتصاديين والباحثين في الشؤون الإدارية والمالية لتقديم برامج تنموية مناسبة وواقعية قابلة للتحقق في هذه للمرحلة، غير أن الملاحظ أن جل الجهود الفكرية توجهت للبرامج السياسية والتنظيرات الإيديولوجية ولم تلق بالاً يذكر لهذا الملف الحساس والمصيري وخصوصاً مع تطاول مدة المعاناة .

معلوم أن الكثير من الحركات العالمية، والمنظمات المدنية, كحركة “ساتجست” على سبيل المثال لا الحصر كانت قد قدمت العديد من الحلول الاقتصادية للتنمية المستدامة والممكنة بآن، وقدمت حلولاً أيضاً لندرة النقد، وحلولاً للقروض الأهلية الميسرة، ولأشكال متعددة من التعاونيات الأهلية. غير أن الحالة السورية الحرجة كانت قد أخذت شطرين حدييين في هذا المجال إما العصامية المفرطة بعدم قبول أي تمويل والاعتماد على العمل التطوعي وهذا الخيار خيار أخلاقي بالتأكيد لكنه ليس مستداماً وثابتاً ومستقراً, بسبب طول المدة وتدهور الأوضاع المعيشية لدى معظم أفراد المجتمع خلال الحرب وعدم المقدرة على التطوع والمثابرة، أما الخيار الثاني فكان البحث شبه المسعور عن ممول مهما كان اتجاهاته أو توجهاته أو غاياته ومقاصده بحجة المنفعية البراغماتية والرغبة الميكافيلية بالانجاز، وهنا أغفل الناشطون الخيارات الوسطية المكونة من الادوات والخطط التي تقع بين هذين الخيارين، و معظم الخيارات البينية والمتعددة والمقبولة, نتيجة ضيق في التصور وكسل في البحث وربما استسهال في الأداء والعمل, إذ غالباً ما تنضح تجارب أهلية عديدة في مجتمعاتنا الزراعية أو الريفية فضلا عن المدينية بطرق اقتصادية لتدارك ظروف الحرب, ورغم ان تلك الطرق من المقايضة أو التبادل السلعي والانتاج المحلي شهدت تردي بالغ في مناطق القصف والحرب المستعرة, إلا أن ذلك مازال ممكناً في المناطق الأقل سخونة, وحتى في مناطق سيطرة السلطة, ويستمر الاعتماد بهذه الطرق على العمل والجهد الذاتي كرائز أساسي لاستمرار وديمومة التحصيل. كثير من الحلول الاقتصادية متاحة إذا تم التركيز عليها عبر الدورات التدريبية والمحاضرات والمنشورات، منها استخدام مؤسسات الدولة كرأسمال أهلي في إحداث تنمية مجتمعية، واستخدام أملاك الدولة من أرض مشاع أو المعدات والموظفين للمشاركة في تنمية الحالة المادية للقاطنين بتلك المنطقة الجغرافية، كما يمكن خلق حلول لندرة النقد عبر شكل من أشكال “المقايضة المنظمة” التي تقضي على البطالة المقنعة عند الموظفين في الدوائر الحكومية وعموم الناس، ادارة الموارد البشرية بهدف احداث نظام اقتصادي ومالي يحقق الكفاية لم يتم العمل به كما يجب حتى اللحظة، إلا بأضيق حدود. بات من الضروري والعاجل البدء بصناعة برامج اقتصادية في سوريا، واستثمار الموارد الطبيعية والزراعية والبشرية والفكرية والصناعية بما يليق لحماية وبناء سورية القادمة .

  • Social Links:

Leave a Reply