ســوريـــــــــــة الــمــفــيــــــــدة ..

ســوريـــــــــــة الــمــفــيــــــــدة ..

(التغيير الديمغرافي والطريق إلى سوريا المفيدة)

غازي دحمان*

يشكل التغيير الديمغرافي الوجه المتحوّل للحدث السوري، أو محاولة لاستثمار الثورة بعد ان جرى تحويلها إلى أزمة من قبل نظام الأسد وحلفاؤه، عبر تحويلها إلى فرصة لصناعة واقع ديمغرافي جديد في سوريا يشكل ركيزة لمشروع إيران الجيوسياسي في المنطقة، وفي ظل انشغال العالم بيوميات الحرب في سوريا والانقسام الحاصل ما بين مؤيد لثورة السوريين على نظام فاسد وقمعي ومن مخلفات القرن الماضي، وبين رافض للثورة على النظام تجري مذبحة صامتة تطال الوجود السوري نفسه وتنذر باحتمال تغيير هوية سوريا .

بداية الحكاية :

أربكت الثورة السورية نظام الحكم الذي لم يكن يتوقع حصولها، وهو ما أكده رأس النظام بشار الاسد في لقاءه مع جريدة نيويورك تايمز حينما كانت سوريا تجهز نفسها للالتحاق بالربيع العربي، وبغض النظر عما إذا كان هذا الكلام مجرد دعاية في حينها أو هو تعبير حقيقي لحقيقة تقديرات النظام في حينه، فقد أظهرت الأيام الأولى للثورة استعانة نظام الأسد بأطراف خارجية ” إيران وأذرعها” لمساعدته في إخماد الثورة .

في تلك الفترة وأول ما قامت به غرف عمليات النظام، إخراج سلطة الدولة من أماكن كثيرة محيطة بدمشق وحمص خصوصاً، دون وجود تهديدات كبيرة ولا مقاومة منظّمة في هذه المناطق، غير أن الأمر ستتضح معالمه بعد فترة حيث سيتم استهداف تلك المناطق بمختلف أنواع الأسلحة ودفع شبابها وأبناءها إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، خاصة وان النظام أصدر لوائح بعشرات آلاف المطلوبين وجرى تسريبها إلى وسائل الإعلام، ليدفع أبناء تلك المناطق إلى التمسك بخيارهم الوحيد الباقي، وهو مقاومة النظام والتحصن في مناطقهم لعدم وجود خيارات أخرى .

وقد جعل ذلك حياة الناس في تلك المناطق عبارة عن جحيم لا يطاق، كما أدرك المقيمون أن مناطقهم على وشك الحصار، وإن دخول من عرفوا بالشبيحة سينتج عنه مجازر في ظل غياب أي قانون في سوريا في ذلك الوقت، ما دفع الأسر والعائلات إلى طريق إجباري للنجاة من خلال الخروج واللجوء الذي بدأه أهل حمص باختيار دمشق وضواحيها، بيد أنهم اكتشفوا لاحقا أن الوضع غير آمن بالنسبة لهم في هذه المناطق الخاضعة لسلطة النظام، كما أنهم وجدوا أن الحدود والمعابر بين سوريا والأردن ولبنان مرحبة بهم، فيما بدا أنه تسهيلات يقدمها نظام الأسد لإنجاح هذا الخيار إلى أبعد الحدود .

غرب العاصي حدود الإمكانيات والطموحات :

انطلقت ماكينة الديمغرافي في سوريا تطبيقاً لخيار اتخذه نظام الاسد في إطار تقديره للممكنات في مواجهة الثورة، حيث ارتأت الجهات المسؤولة عن إدارة الأزمة في حينه إفراغ الحواضن الثورية، البيئات التي أنتجت الثورة في بدايتها، وخاصة المناطق العشوائية والأرياف، وذلك في إطار خطة تهدف في نهاية الأمر إلى إجهاض الثورة بشكل أتوماتيكي من خلال تغيير ديناميكيات الصراع وتعطيل دينامياته. فبالإضافة إلى أساليب التنكيل والاعتقال والإخفاء، التي لم تأت بنتائج مهمة على صعيد هدف إخماد الثورة، يرزت الضرورة إلى تجفيف مصادر الثورة .

وتوضح خريطة المجازر التي جرى ارتكابها بقصدية في بداية الثورة تبلور خيار إنشاء دويلة طائفية في جزء من سوريا وذلك كمخرج من الأزمة التي تكشّف أنها لن تنتهي كما يرغب نظام الأسد، وانطلاقا من ذلك بدأ التأسيس ليوم قادم لا محالة عبر عمليات تطهير ممنهج ضمن رقعة معينة من سوريا، غير أن هذا الخيار سيصار إلى تحديثه ودمجه في إطار المشروع الإيراني في المنطقة. ذلك أن ملالي إيران وبعد اختبارهم لردود الفعل الضعيفة للمجتمع الدولي ومعاينتهم للعجز العربي، اعتبروا أن الأحداث في سوريا يمكن التعامل معها بمنطق تحويل المخاطر إلى فرص، وذلك من خلال الاستثمار العسكري الكثيف في الحرب في سوريا، وتحويل ما كان افتراضيا، سوريا كجزء من المشروع الإيراني، إلى واقع حقيقي ينطوي على مرتكزات من أرض وبشر وعقارات .

كانت أولى التطبيقات العملية المعلنة للتفريغ الطائفي في سوريا بدأت بالظهور بشكل فج وعنيف في مناطق جبلة وبانياس، كمنطقة أولى يتوجب إفراغها من سكانها، وبدت هذه مهمة مستعجلة يتوجب إنجازها بأسرع وقت ممكن للوقوف على خيار الدويلة الطائفية بشكل صلب. في سبيل ذلك استخدم النظام حزمة من الأساليب كان أخطرها على الإطلاق المجازر التي ارتكبت بحق سكان تلك المناطق، البيضا وبانياس، بالإضافة إلى التنكيل بأحياء اللاذقية السنية. وفي ظل انشغال العالم حينها، عمد النظام إلى اعتقال ألاف من شباب تلك المناطق وتغييبهم في السجون، الأمر الذي سيشكل إنذاراً صريحاً للغالبية السنية في تلك المناطق بأن استمرار بقاءهم سيكلفهم حياة أبناءهم .”1″.

حركة التطهير الطائفي تلك ستمتد إلى ما خلف الجبل والساحل لتشكل قوساً تتموضع قاعدته عند حدود غرب نهر العاصي، وكأن الدويلة قد رسمت حيزها بين البحر والنهر .

غير أن تطبيق هذا التصوّر سوف يستدعي ارتكاب كل ما أمكن من مجازر وعمليات ترهيب، لذلك انطلقت ماكينة اقتلاع رهيبة وفي إطارها جرت مجازر عديدة ارتكبتها في الغالب التشكيلات الرديفة التي عمد نظام الأسد إلى إنشاءها في تلك المناطق بهدف جعل الأمر يأخذ طابع الحرب الأهلية الصرفة، وفي إطار هذه الخطة كانت حمص تشهد عملية اقتلاع لأحيائها السنية حيث سيطبق نظام الأسد حصاره عليها من الأحياء المجاورة والريف القريب لها .”2″.

الدخول الإيراني على خط التطهير العرقي :

لم يتأخر دخول إيران على خط عملية التطهير في سوريا، وخاصة وأن لديها تجربة عميقة في العراق نفذتها ميليشيات إيران على بغداد وضواحيها، وكانت نتيجتها إفراغ المدينة من سكانها السنة والمسيحيين باستخدام أساليب العنف بمختلف أشكاله، خاصة وأن إيران كان لها ممارسات وإن بشكل أضيق في إطار مشروعها الذي جرى تسميته حينها بالـ ” الهلال الشيعي”، وغالبا ما تركزت أعمالها على عمليات التشييع في بعض مناطق سوريا وبناء الحسينيات ودعم العائلات الشيعية على إظهار تشيعها والإعلان عنه.

في إطار الدخول الإيراني، تغيرت خريطة الحرب في سوريا وتغيرت أهدافها بدرجة كبيرة، فبعد ان كان نظام الأسد يسعى إلى تحقيق هدفين : تبريد الثورة في مناطق اشتعالها لتأمين طريق إلى معقله في الساحل، وتأسيس دولته ضمن حيز جغرافي يمتد من حمص إلى البحر، جرى توسيع هذه الخطة لتشمل دمشق وأريافها وجزءاً من جنوب سوريا، باعتبار أن ذلك يشكل مصالح إيران والجسر الواصل بين مناطق نفوذها في العراق ولبنان.

المناطق المستهدفة إيرانياً :

– دمشق جوهرة المشروع الإيراني :

تعتبر دمشق جوهرة المشروع الإيراني، نظراً للمكانة الدينية التي تنطوي عليها، وبدون دمشق يفقد المشروع الإيراني أهم مبرراته، حيث تشكّل دمشق بلد العتبات المقدسة محركاً لاستقطاب المقاتلين من مختلف الاصقاع، ومحفزاً لبذل الغالي في سبيلها. وتدرك إيران أنه بدون دمشق سيظهر مشروعها على شكله الحقيقي، مشروع إمبريالي رث في زمن تجاوز هذا المنطق.
وقد عرّض هذا الوضع مدينة دمشق إلى ضغط مكثف مارسته إيران وأدواتها لتسريع تحويل المدينة إلى ما تريده إيران، وهو جعلها مدينة شيعية بما يتطلب ذلك من إجراءات عديدة لإنجاز هذا التحول :

– أهم تلك الإجراءات تفريغ دمشق من سكانها، عبر ممارسة أساليب الترهيب والترغي. فبالإضافة إلى عمليات القمع الواسعة، تعمل إيران على استثمار الأوضاع المادية الصعبة لسكان دمشق والقيام بشراء المنازل والعقارات من أصحابها .”3″.

– استثمار وجود العائلات الشيعية في قلب دمشق، في أحياء الشاغور وزين العابدين والميدان والعمارة، وهو وجود ضئيل استطاعت إيران توسعته عبر شراء العقارات بكثافة أو الاستيلاء عليها بعد تهجير الغالبية من سكانها .

– العمل على إقامة مشاريع عمرانية كبيرة في مناطق كفرسوسة والمزة .

– تفريغ غلاف دمشق من السكان وعدم السماح بعودة من خرج من تلك الأحياء، وخاصة في جنوب دمشق، والمناطق المحيطة بمقام السيدة زينب .

– دفع النظام إلى إ- تغيير هوية المدينة من خلال وضع اليد على المقامات والمساجد والأضرحة واعتبارها من تراث آل البيت الذين هم ملكية حصرية للشيعة .

– صدار المراسيم اللازمة والتي تنطوي في ظاهرها على تطوير مخطّط دمشق العمراني، كإجراءات بديلة لاستبعاد السكان الأصليين .”4″.

– منطقة القلمون جسر العبور إلى لبنان :

وهي المنطقة الممتدة من ريف دمشق حتى حمص، وهي أكثر المناطق التي شهدت عمليات تطهير علنية وصريحة، وتضم المنطقة عشرات المدن الصغيرة ومئات القرى والمزارع، ويشكل الوجود الشيعي فيها نسبة ضئيلة جداً، رغم ادعاء حزب الله أن نشاطه فيها بهدف حماية المكون الشيعي .

ويعمل حزب الله في المنطقة بمنطق احتلالي صرف وكأن المنطقة قد أصبحت ملكاً خالصا له. وقد ذهب بعيداً في قيامه بإجراء مبادلات سكانية بين سكان الزبداني وشيعة الفوعة، كما يحاصر مضايا حتى الموت ويشترط لإخراج السكان للعلاج تنازلهم عن ممتلكاتهم وعن حقهم في العودة .

تشكل منطقة القلمون، بشرقها وغربها، جسر المشروع الإيراني بين العراق ولبنان، ويساعد على تأمين هذا الجسر ملاصقة القلمون لسلسة الجبال الشرقية ومنطقة البقاع الشرقية التي تقطنها غالبية شيعية، بما يجعل ظهر دمشق مؤمناً، وكذلك تضمن السيطرة على هذه المنطقة خلو المساحة الممتدة من دمشق إلى حمص من أي تواجد سني.”5″.

– درعا والقنيطرة وحدود إسرائيل :

تشكل أهمية هذه المنطقة بالنسبة لإيران كونها تعتبر منطقة مفتوحة على دمشق ويستحيل تأمينها ما لم تتم السيطرة على جزء كبير من أراضي درعا والقنيطرة، ومن جهة أخرى تضع المشروع الإيراني في تماس مباشر مع إسرائيل حيث تشكل مع منطقة البقاع الغربي نصف قوس يحيط بإسرائيل بما يضمن زيادة التأثير الإيراني على إسرائيل، ودفعها تالياً إلى التفكير بخيارات دفاعية في مواجهة الوجود الإيراني في سورية ولبنان. بالإضافة لذلك، تتميز هذه المنطقة باتصالها مع ريف دمشق الغربي الذي تعمل إيران على إفراغه والذي يتصل بدوره بمنطقة القلمون الغربي إلى حمص وطرطوس .

وقد عملت إيران على تفريغ هذه المنطقة بمساعدة ميليشياتها العراقية واللبنانية مستفيدة من تواجد شيعي، كان قبل الثورة ضئيلاً وغير مرئياً، وخاصة في بعض قرى درعا الشرقية، المليحة الغربية وقرفا والشيخ مسكين”6″. وبما أنه لم يكن ممكناً استخدام أساليب البيع والشراء في هذه المنطقة، فقد لجأت إيران وميليشياتها إلى استخدام أساليب العنف المفرط تجاه سكان هذه المناطق، ما أدى إلى تهجيرهم بكثافة إلى الأردن ولبنان وإفراغ غالبية القرى من سكانها وإحلال شيعة أفغان وعراقيين مكانهم .

الأساليب والأدوات :

تتبع إيران، وحليفها نظام الأسد، جملة من الوسائل لتحويل العملية إلى أمر واقع يصعب تغييره في المستقبل، مسترشدة بالتجربة الصهيونية في فلسطين وبتجارب قريبة حصلت في البوسنة والهرسك. ونتج عن هاتين التجربتين عمليات تغيير ديمغرافي واسعة ومستدامة، ومن الأساليب التي تطبقها إيران في سوريا :

التدمير الممنهج للمناطق المستهدفة بما يجعل الحياة الآدمية فيها مستحيلة، كما يجعل إعادة بناءها أمراً صعباً، وبالتالي دفع أبناء تلك المناطق إلى عدم التفكير بالعودة لها حتى لو انتهت الأحداث في سوريا، وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية لمناطق متفرقة في سوريا حجم الدمار الكبير والذي لا يتناسب مع طبيعة الأحداث التي جرت في هذه المناطق ولا الخطر الذي شكلته في يوم ما على نظام الأسد .

تفكيك المجتمعات المحلية وإضعاف قدرتها على الصمود والبقاء، من خلال عمليات الحصار الطويلة وتدمير مرتكزات الحياة الأساسية فيها، مثل ضرب المخابز والمدارس ومنع تشكل إدارات مدنية في هذه المناطق .

اطالة أمد الحرب وتعقيد الحل السياسي وحصره في إطار خيارين: إما القضاء على المعارضة نهائيا وتحقيق نصر حاسم يقتلع كامل الجيل الذي خرج في الثورة، أو استمرار الحرب والتدمير إلى أبعد مدى. وتراهن إيران على ان إطالة أمد الحرب من شأنه أن يدفع المهاجرين إلى الاستقرار في أماكن اللجوء ويجعل احتمالات عودتهم ضئيلة .

شراء العقارات وخاصة الأصول التي يمتلكها رجال الأعمال لضمان السيطرة على مفاصل الاقتصاد السوري، وشراء المنازل والمحلات في الأسواق المشهورة، وقد كلفت إيران شبكة من السماسرة للقيام بهذه المهمة ويحصلون على دعم من رجال مخابرات الأسد لترهيب أصحاب العقارات .

تدمير دوائر السجل العقاري، وذلك لتضييع حقوق السكان وضمان عدم قدرتهم على إثبات ملكيتهم، وخاصة في حمص التي عمل النظام على المسارعة إلى إسكان وافدين من العراق ولبنان وأفغانستان في الأحياء التي هجر منها سكانها الأصليين والبالغ عددهم أكثر من مليون شخص .

الأدوات العسكرية :

أسست إيران، لحماية نفوذها في سوريا، بنية عسكرية موازية، تستطيع من خلالها ضمان دوام سيطرتها والحفاظ على وجودها، وتقدّر بعض التقارير حجم هذه القوة بحدود 60 ألف مقاتل، وتقدرها بعض المصادر بأكثر من ذلك بكثير. قوام هذه القوة ميليشيات عراقية ولبنانية وأفغانية وباكستانية، وتسيطر هذه التشكيلات على مواقع كثيرة في سوريا بشكل حصري، بما يمنع حتى مخابرات الأسد من العمل ضمن تلك النطاقات التي تسيطر عليها هذه التشكيلات إلا بتنسيق مسبق وأذونات يمنحها قادة تلك الميليشيات. مثال على ذلك سيطرة ميليشيا” أبو الفضل العباس” على جنوب دمشق بذريعة حماية مرقد السيدة زينب، وسيطرة ” حزب الله” على القلمون حيث تشكّل قوات الأسد دوراً إسنادياً دون الحق في التدخل بطبيعة الإجراءات التي يجريها الحزب على الارض من عمل منشأت عسكرية او السيطرة على الطرق بين سورية ولبنان، ولا التدخل في الإجراءات التي يقوم بها الحزب تجاه المواطنين السوريين في تلك المنطقة، سواء لجهة حصارهم أو عقد الهدن وعمليات النقل والمبادلة التي يجريها الحزب بهدف تفريغ تلك المنطقة من سكانها الأصليين .

غير أن أخطر ما تقوم به إيران في هذا الصدّد يتمثل بإنشاء تشكيلات سورية على غرار ما قامت به في لبنان والعراق واليمن، وذلك من اجل ضمان حماية مصالحها حتى بعد الوصول إلى تسوية في الأزمة السورية. وقد شكلت في هذا الإطار عدداً من الميليشيات في حمص وأريافها وفي دمشق، بالإضافة إلى ميليشيات في ريف حلب الشمالي ” في الزهراء ونبل” وأخرى في إدلب في ” كفريا والفوعة”، وتنتظم غالبية هذه الميليشيات تحت مسمى ” حزب الله السوري”. بالإضافة لذلك تدعم إيران ميليشيا ” الدفاع الوطني الذي يتشكل في غالبيته من عناصر طائفية مختلفة في سوريا وتحديداً من أبناء الأقليات .

وتؤكد غالبية التقديرات في هذا الشأن أن هذه التشكيلات إذا لم يجرِ حلّها فإنها ستشكل دينامية فاعلة لحرب طائفية مستمرة في سوريا، إن لم تكن محفزاً لتقسيمها على أساس مناطق السيطرة، او في أسوأ الحلول تأمين السيطرة على القرار السياسي في سوريا، فيما يبدو انها استنساخ لتجارب الميليشيات في لبنان والعراق واليمن، وخاصة أن هناك روايات تذهب إلى أن الحل المطروح والذي تحاول روسيا فرضه في سوريا يقوم على أساس بقاء الجيش والأمن بيد الأقليات فقط.”7″.
روسيا تصنيع سورية المفيدة :

ليس مصطلح سوريا المفيدة اختراعاً روسياً، أو إيرانياً بالضبط. والمعلوم أنه مصطلح جرى رواجه في عهد الانتداب الفرنسي، وكان في ذلك الحين يعني السيطرة على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في سوريا والتركيز عليها، وقد استلهمت الاستراتيجية الإيرانية هذا المصطلح وأعادت تعويمه على شكل خرائط استراتيجية بحدود وفضاءات جديدة، مزجت فيها الأيديولوجي بالاستراتيجي بهدف ضمان تحقيق نتائج مجدية في الحرب السورية وضبط الموارد والإنفاق وبلورة الجهود ضمن مساحات معينة .

سوريا المفيدة، لا تعني سوريا المفيدة اقتصادياً لان ذلك يتضارب مع منطق إخراج الجزيرة السورية التي تنتج غالبية الغلة السورية من القمح والقطن وكل حقول النفط والغاز، بل هي سوريا التي تحقق مكاسب استراتيجية بالمعنى الحقيقي المباشر للأطراف المنخرطة في الصراع. حيث يتم تقييم المناطق وتحديد قيمتها الاستراتيجية وفائدتها من حيث مدى تخديمها للصراع الحالي” لوجستياً واستراتيجيا”. وبذلك تتحول جبال القلمون والعلويين والسواحل والحدود الجنوبية والحدود مع تركيا جزءاً أساسياً من التركيبة المفيدة التي تدخل في إطارها دمشق ببعدها الرمزي والديني وحلب من كونها بوابة سوريا إلى قلب أوروبا .

لم يكن لدى روسيا خطة واضحة في سوريا، ولا مخطط لحجم انتشارها والمديات التي سيصل لها، وقد اتبعت منذ اللحظات الأولى لتدخلها الخريطة الإيرانية مع محاولات تكييفها مع القدرة الروسية الممثلة في حينه بأصول عسكرية صغيرة، وبتوجس من مؤامرة غربية تسعى إلى إغراق روسيا في المستنقع السوري، لكن حجم المقاومة الدولية الضعيف للانخراط الروسي في سورية وتعقيدات صراع روسيا مع الغرب شكّلت محفزاً لتوسيع رقعة الانتشار في سورية ليتجاوز قاعدة حميم وورشة تصليح السفن في طرطوس .

التحديث الجاري على خطة الانتشار والسيطرة في سوريا يجري من خلال انطباق الحيثيات والحدود مع الخطة الإيرانية، وهو ما استدعى إتباع نفس الوسائل التي اتبعتها إيران ولكن بعنف أكبر تستطيع روسيا تأمينه من خلال أسلحتها الأكثر قدرة على التدمير والقتل. وروسيا التي تؤسس لبقاء طويل في سوريا وتعمل على تقنينه من خلال إتفاقيات مع نظام الأسد، بدأت تمارس ذات الإجراءات الإيرانية في عمليات التطهير العرقي بهدف تأمين وجودها. وقد بدا واضحاً التركيز في البداية على الغلاف السكاني لمناطق تجمع الأقليات في سورية، أرياف حماة الغربية وحمص الشمالية، وعمليات التطهير للأقلية التركمانية في جبل الأكراد في اللاذقية، وتقوم روسيا بنفس الوقت بالإشراف على الهدن بين الثوار وقوات النظام، والتي تنتهي في الغالب إلى عمليات تطهير ديمغرافي في مناطق استراتيجية مهمة وإهداءها لنظام الأسد.

لا تخفي روسيا موقفها في سورية والقاضي بإضعاف المكون الأكثري، ودمج هذا الأمر ضمن استراتيجيتها الأمنية الهادفة إلى حماية مناطق القوقاز الجنوبي والشمالي من التأثيرات القادمة من سورية.
إدلب مكب سورية إلى حين وحدود سورية المفيدة :

يستخدم تحالف روسيا – إيران- الاسد، منطقة إدلب التي تقع خارج سيطرته، بمثابة منطقة لتجميع العناصر الرافضة للتصالح مع نظام الأسد والتي يجري إخراجها من مناطقها وذلك كحل مؤقت لهذه العناصر وإخراجها من دائرة الصراع إلى حين، وتكشف الاستعدادات التي يقوم بها هذا التحالف أنه وبعد الانتهاء من السيطرة على المناطق التي يعتبرها أكثر استراتيجية في سوريا المفيدة سيتم القضاء على هذه التجمعات وضم إدلب إلى إطار جغرافية سوريا المفيدة .
يطرح هذا الواقع تساؤلاً عن الديمغرافية التي ستنطوي عليها سوريا المفيدة، حيث أنها لا تقتصر على الجغرافيا أيضاً بل وتطال نوعية السكان الذين سيشكلونها في المستقبل .

بحسب تقديرات ” مركز واشنطن للدراسات” بلغ عدد سكان سوريا في عام 2011 حوالي 21 مليون نسمة، وقد هاجر منهم بحدود 6 ملايين خارج سوريا، وقد شملت الهجرة بشكل اساسي المكونين السني والمسيحي وكذلك الأكراد، وهو ما يجعل التركيبة الطائفية والعرقية في سوريا على حالها، حيث لا تزال الأقليات تشكل ما نسبته 22 في المائة والأكراد 16 في المائة والعرب السنة 61 في المائة”8″.

تشير هذه المعطيات إلى معضلة حقيقية تواجه واضعي مخططات التفريغ الطائفي، ذلك أن الحجم الكبير للمكون الأكثري يجعل من الاستحالة تعديل هذه الفوارق إلا عبر ارتكاب سلسة من المذابح الغير مسبوقة، أو من خلال تكثيف عمليات الإحلال لموجات كبيرة لسكان وافدين من الخارج .

الحل، الأكثر مثالية، لهذه الإشكالية يتمثل بإعادة ترسيم الخريطة السورية إلى ثلاث دوائر، وهو ما يقوم به تحالف روسيا- إيران- الأسد :

– الدائرة الأولى : و تنقسم بدورها إلى :

المناطق التي توجد فيها كثافة أقلوية، مثل المنطقة الممتدة من حمص – طرطوس – اللاذقية- ريف حماة الغربي، هذه المناطق تجري فيها عملية التطهير بشكل صريح وعلني، ويجادل البعض بأن هذه المنطقة تستقطب عشرات الألاف من النازحين من حلب وإدلب، والواقع ان هذه الحالة يجري توظيفها لتدعيم رواية النظام أن الحرب ليست طائفية، ومن جهة أخرى يجري استرهان هؤلاء في حال حصول تطورات دراماتيكية في الحرب من أجل التفاوض عليهم، كما يجري الاستفادة منهم في إطار عمليات التجنيد للنظام، فضلاً عن دورهم في تشغيل القطاعات الاقتصادية بعد ان جرى نقل الكثير من مكائن المعامل من حلب، كما أن أجهزة أمن النظام تدرك ان هؤلاء ضعفاء وعزل ويمكن بأي لحظة ترحيلهم.

منطقة القلمون وأرياف دمشق الغربية حيث تم الانتهاء من عملية التطهير العرقي هناك مع بقاء بعض الثغر في مضايا وقدسيا والهامة وبعض قرى وادي بردى التي يجري التعامل معها لإنجاز ملف التطهير العرقي.

– الدائرة الثانية : دمشق، وحلب، وحماة، وأجزاء من درعا والقنيطرة: وبحسب تقارير حديثة فإن دمشق التي لم يكن يشكل الشيعة فيها سوى نسبة ضئيلة من سكانها، باتوا يشكلون ربع عدد سكانها، بالإضافة إلى أن دمشق تضم بحدود نصف مليون علوي، وهو ما يشكل خلخلة واضحة في التركيبة السكانية في المدينة، كما أن احتمال تهجير العدد الأكبر من سكان شرقي حلب نتيجة التدمير المكثف للبنى الحياتية في المدينة أمر أصبح وارداً، ولا يختلف الوضع في حماة التي أصبحت مركزاً للعديد من النشاطات الروسية.

والغالب بالنسبة لهذه المنطقة أن إجراءات التطهير فيها ستتخذ منهج ” التهجير الصامت”، وهو أمر ليس احتمالياً ونظرياً، بل أن أدواته التطبيقية جاهزة، سواء لجهة وجود ميليشيات طائفية تعمل في هذه المدن وجاهزة للبدء في تنفيذ عمليات التطهير، أو لجهة التضييق الذي يمارسه نظام الأسد عبر أجهزته، او جراء عمليات التضييق الاقتصادي التي تطال أبناء هذه المدن، والمؤكد أن التحالف المذكور يعمل حسب أولويات محدّدة، يأتي على رأسها التخلص من الجبهات الثائرة حول هذه المدن على اعتبار أن التطهير سيكون الجزئية الأسهل بعد أن تصبح هذه البيئات مجردة من كل عناصر القوة.

– الدائرة الثالثة : وهي سورية الفائضة عن حاجة التحالف الاستراتيجية والإيديولوجية، والتي لم تتضح بعد حدودها الجغرافية، لكنها في الأغلب ستكون عبر البادية السورية، ومركزها الرقة ودير الزور، ضمن شريط ضيق، على ن يجري عزلها عن تركيا بشريط كردي يستولي على معظم أرياف هاتين المنطقتين ويسيطر على الثروات النفطية والغازية فيهما .

– الهوامش :

1 – في 12 نيسان 2011 اجتاحت قوات عسكرية وأمنية وشبيحة من قرى العلويين المجاورة لقرية البيضا، فقتلوا بعض المواطنين وعاثوا بالقرية سرقة ونهباً وتخريباً، وجُمع شباب القرية في ساحتها فداسوا عليهم وأهانوهم، ثم ساقوهم إلى ساحات قرى مجاورة يسكنها العلويون، فشارك بعض أهالي تلك القرى بإهانة الناس والتشفي بهم كما تثبته شهادات لمن عاشوا تلك الجريمة.
2 – مجزرة الحولة التي ارتكبتها قوات الاسد في يومي 25-26 أيار- مايو، 2012 شكلت تعبيراً عن نية نظام الأسد عن تفريغ المكون السني من منطقة غرب نهر العاصي. ثم تبعت ذلك مجازر التريمسة والقصير والقنيبر وحمص .
3 – إيران تشتري سورية وتستوطنها، الساسة بوست، 31 – 3 – 2016  .
4 – أصدر رأس النظام السوريّ، بشار الأسد، المرسوم رقم 66 عام 2012، القاضي باعتبار منطقة بساتين المزّة، ومناطق أخرى بدمشق، مناطق سكنٍ عشوائيٍّ تجب إعادة تنظيمها. ويقسم المشروع إلى منطقتين، الأولى بمساحة 9214 هكتاراً جنوب شرقيّ منطقة المزة، والثانية بمساحة 880 هكتاراً جنوبيّ منطقة المتحلق الجنوبيّ.
5 – حنين غدار : وصول إستراتيجية سورية المفيدة التي تعتمدها إيران في سورية إلى مرحلة الإكتمال : معهد واشنطن للدراسات .
6 – استخدمت إيران رئيس فرع الأمن السياسي رستم غزالة في دعم حركة التشيع في بعض قرى ريف درعا وخاصة قرفا مسقط رأسه، وعندما اكتشف خطورة الأمر وحاول الاعتراض قام نظام الأسد بتصفيته.
7 – غسان إبراهيم : سورية المفيدة لتمكين إيران، جريدة العرب، 24-9-2016  .
8 – فابريس بالونش : التطهير العرقي يهدد وحدة سورية، معهد واشنطن للدراسات  .

* حاصل على البكالوريوس في العلوم سياسية من جامعة الفاتح بليبيا. يكتب في عدد من الصحف العربية منذ عام 1997 مثل الحياة والعربي الجديد وموقع الجزيرة ..

  • Social Links:

Leave a Reply