الجولاني والحديث عن أهل السنّة

الجولاني والحديث عن أهل السنّة

ماجد كيالي

 

قبل أيام، ظهر أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة “فتح الشام” (“النصرة” سابقًا)، في قناة “الجزيرة” ليتحدث عن الوضع في سورية، والاتفاق الروسي – الأميركي، وعن مواقف جبهته. وكان بارزًا تأكيده -في هذه المقابلة- مظلومية أهل “السنّة”، وتاليًا توصيف الصراع الجاري بأنه صراع ضد أهل “السنّة” في الشام، وأن هدف الحلول السياسية هو فرض الاستسلام عليهم، وأن على هؤلاء أن يتوحّدوا في جهادهم “بإنشاء كيان” قوي يُمثّلهم، وأن قضية أهل الشام هي قضية ثورة ومبادئ وإسلام ودين وحفاظ على أهل “السنّة”.

 

طبعًا، هذه ليست مناقشة مع ما جاء في تلك المقابلة، فالجولاني كغيره قد يخطئ ويصيب، وقد يُلامس الحقيقة هنا ويحوّرها أو يجيّرها هناك، بحسب معتقداته أو أهوائه، وإنما هذا الحديث يتعلّق بمسألة محّددة وهي توصيفه للصراع الجاري، بأنه صراع ضد أهل “السنّة”.

 

بداية من الواضح هنا، أن هذا التوصيف يُغيّر من طبيعة الثورة السورية لأهداف عقائدية، أو لتوصيفات سياسية وسلطوية ضيقة، إذ هو يضعها في قالب ديني ومذهبي، وهذا أمر غير صحيح البتّة؛ لأن هذه ثورة سياسية منذ بداياتها، وهو ما عبّر عنه السوريون في شوارع درعا وحماه وحمص ودمشق وحلب ودير الزور ومعظم المدن السورية. ومن الأصل فلم يكن ثمة قضية دينية ولا مذهبية في سورية، بالعكس، فإن الإسلام السنّي كان يحظى “برعاية ودعم كبيرين” من الدولة، في الأوقاف والجوامع ومؤسسات حفظ القرآن والجمعيات الخيرية الإسلامية وفي المعاهد والجامعات الدينية، التي ازدهرت في عهد الأسد وكان يأتيها طلاب من أسيا وأفريقيا للدراسة، أي إن الدولة أو السلطة كانت تتلاعب أو توظف أو تستغل الدين ورجال الدين السنّة، وأن هؤلاء بدورهم كانوا يستغلون أو يستفيدون أو يستثمرون في ذلك.

 

من جانب أخر، فإن هذا الطرح يفيد بتطييف الصراع السوري، وكأنه صراع طائفة، بسبب مظلوميتها، ضد طائفة أخرى في السلطة، وهذا طرح غير صائب، ولا يتمثل أسس الصراع في سورية، على الرغم من أن أكبر من دفع الثمن هو طائفة معينة، وهذا ما اشتغل النظام أصلًا على التأكيد عليه، في صبّه البراميل المتفجرة على مناطق محددة، مع فرضه الحصار عليها وتشريده أهلها.

 

المعنى، أن هذا الخطاب يتماهى مع خطاب النظام، بوصف الصراع في سورية لا يعبّر عن ثورة سياسية ووطنية، أي: تضم مختلف السوريين، بكل مكوناتهم الطائفية والمذهبية والإثنية، وإنما عن مجرد تمرد أو حرب أهلية، تقوم بها طائفة معينة لأسباب دينية وطائفية ضد السلطة، وفق مقولة: “أكثرية ضد أقليات”، ما ينزع شرعيتها ويقوض صدقيتها كثورة سياسية ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، وما يضع هذه الطائفة في مواجهة المكونات الأخرى، وهذا ما يريده النظام حقًا.

 

أيضًا، فإن الجولاني في هذا الحديث يُشرعن ويبرّر للنظام اختطافه الطائفة العلوية أو هيمنته عليها، بشكل مجّاني، في حين أن العلويين لا يحكمون بوصفهم طائفة، إذ وجود طغمة حاكمة “علوية” ليس دلالة على حكم طائفة العلويين، لأن هؤلاء مهمّشون في الحكم وفي العلاقة مع موارد الدولة مثل غيرهم، وإن كانوا يشكلون القاعدة الأوسع للنظام، لأسباب ضمنها قدرته السيطرة عليهم، بالقياس لغيرهم، وتخوفهم على مصيرهم. فوق هذين فإن تنظيرات الجولاني هذه تخالف ما جرى في مصر أو تونس أو ليبيا إذ قامت الثورات ضد نظام “سنّي”.

 

في الحقيقة فإن كل حديث عن “السنّة” هو حديث سياسي، ويخدم التوظيفات السياسية والسلطوية، لسبب بسيط وهو أن “السنّة” وإن وجدوا تاريخيًا كطائفة من مذهب معين، إلا أنهم لم يعرّفوا أنفسهم، ولا في أي مرحلة، على هذا النحو، بمعنى أنه ثمة فرق بين الطائفة كحالة وجود والطائفية كمعنى سياسي؛ هذا أولًا. ثانياً، ما كان “السنّة” بحاجة إلى الظهور كطائفة بوصفهم أكثرية في مجتمعاتهم، وهم لا يتأطّرون كطائفة، أسوة بالطوائف الأخرى أو في مواجهتها، سواء في إطارات دينية أو سياسية، وهم كانوا بمثابة الصمغ اللاصق لهذه المجتمعات في تنوعها وتعدديتها، مع حسبانهم لذاتهم بمنزلة الأمة أو الشعب، وإن ليس بالمعنى الحصري وإنما بالمعنى الرمزي. ثالثًا، لم تكن “السنة” يومًا في الحكم بوصفها طائفة، إذ كل الحكام من الأمويين إلى عصرنا الحاضر، أو من معاوية إلى حسني مبارك والقذافي وبن علي وغيرهم، حكموا كعائلات أو كأفراد أو كتعبير عن طبقة. رابعًا، “السنة” تعبير عام عن جماعة بشرية ذات هوية أولية دينية متوارثة، بغض النظر عن إرادات أو توجهات أو معتقدات أفرادها، إذ ثمة منهم متدينين وغير متدينين، ومن المتدينين ثمة من مع تديين السياسة ومنهم متدين تقليدي، وبين المتدينين السياسيين ثمة معتدلين ومتصوفين ومتنورين ووسطين، وهم الأغلب، كما ثمة من “السنة” قوميين ويساريين وليبراليين وعلمانيين. إلخ. خامسًا، وتبعًا لما ذكرت فإن “السنّة” ليسوا في جيب أحد، كما تعتقد بعض الجماعات الإسلامية، وهم لا يتشكّلون كطائفة ولا كطبقة ولا كجماعة، كما بينت، وهذا يفسّر أنهم لا يخضعون لمرجعية معينة، لا شيخ ولا إمام ولا “ولي فقيه” ولا زعيم سياسي ولا دولة ولا حزب، لا السعودية ولا تركيا، ولا حزب الأخوان ولا أي حزب أو جماعة سياسية وهكذا، يساهم في ذلك أنه لا توجد تراتبية، ولا مرجعية، دينية، عندهم مثل التي عند “الشيعة”، أو الطوائف المسيحية؛ فلا الأزهر استطاع ذلك، ولا أي مؤسسة أخرى. سادسًا، هذا يُوضّح مشكلة من يريد استدراج “السنة” كي يتحوّلوا إلى طائفة، أو فرض الوصاية عليهم، أو اختصارهم به، إذ هذا لم ينجح سابقًا ولن ينجح لاحقًا، بسبب تنوّعهم وتعّدديتهم، ووسطية واعتدال مذهبهم، وبدليل أن وجود الجماعات “الجهادية” العنفية والمتطرفة والتكفيرية أضعف من صدقية الثورة السورية لدى مجتمعات عربية أخرى، يفترض أن معظمها “سنية”، بل لا نبالغ القول إن وجود جماعات كهذه قوّض شرعية وصدقية التيارات الإسلامية المدنية والمعتدلة أيضًا. سابعًا، هذا يعني أن “السنة” عمليًا ذهبوا تاريخيًا نحو العلمنة الطبيعية أو العفوية، مع تدينهم أو من دون القطع مع الدين، ما يفيد أن الحديث عن “السنة”، مثل أي حديث هوياتي، هو حديث عن ظاهرة متخيلة، أو ظاهرة يجري صناعتها أو اختراعها لغايات سياسية فحسب. ثامنًا، الحديث عن “السنّة” يُكرّس تفكيك المجتمعات العربية، ويبرّر مشاريع التقسيم؛ إذ لا وحدة جغرافية أو سياسية بدون وحدة المجتمعات في دولة مواطنين أحرار ومتساويين؛ وهذا -أيضًا- نهج النظام نفسه والأنظمة الاستبدادية التي صادرت الدولة ومنعت قيام المواطنة ودولة المواطنين، منهج إيران ذاته التي اشتغلت على تقويض وحدة المجتمعات العربية، على أسس مذهبية، وهو ما لم تنجح به إسرائيل منذ قيامها.

  • Social Links:

Leave a Reply