نايف بلوز المفكر والفيلسوف والسياسي – د. جون نسطة

نايف بلوز المفكر والفيلسوف والسياسي – د. جون نسطة

د. جون نسطة

نايف بلوز، الرجل الذي واظبت على صداقته على مدى خمسة وثلاثين عاماً، وأدمنت معاشرته اللصيقة سنوات طوالا، ولم يكن هذا علي أمراً سهلاً وحلواً، على حلاوته ومتعته وفائدته لأن الرجل كان نقاداً لاذعاً، رغم مودته لأصدقائه ومعاشريه، متطلباً ممن حوله قدراً أعلى فأعلى من الثقافة والاطلاع والمعرفة والدراسة والمواظبة على طلب العلم ومعرفة العالم. وهذا السعي نحو الكمال كان يتطلبه من نفسه أيضاً ، جالداً ومؤنباً لذاته، ومواظباً نهماً على القراءة والبحث والتنقيب. في مطلع الستينات من القرن الماضي جاءنا إلى لايبزيغ في ألمانيا الديموقراطية شابّ في مطلع الثلاثينات من العمر، فارع القامة، قوي البنية، كبير الرأس، ذو عيون قوقازية حادة وثاقبة النظرات، تعريك بالنظر إليك وتمنعك من الكذب؛ شابّ حسن الهندام تشعر حين يتحدث إليك بأن جمجمته تضيق ـ على كبرها ـ بدماغ يضج بأفكار جديدة لا تنضب، وبأن لسانه ـ على طلاقته ـ عاجز عن مواكبة وتلبية ما يريد أن يقول وبالسرعة المطلوبة.

كنا نحن الطلاب الشيوعيين مخدرين بل سكارى منتشين بعبارة وتقديس الفرد متمثلاً بخالد بكداش، القائد الذي لا يضاهى، وبانتصارات الاتحاد السوفياتي، قائد الطبقة العاملة على النطاق العالمي، وبإنجازات ألمانيا الديموقراطية، مغلقين العيون، بعيدين عن طرح الأسئلة والشك بأي شيء، منساقين، مؤمنين، سعداء بتملكنا الحقيقة الكاملة.

جاء نايف بلوز يحاول قرع جرس اليقظة بيننا، يمزج بين الجد والمزاح، المديح والتهديم، والنقد وطرح التساؤلات. في إحدى المرات ـ وكان في ضيافتي ـ سألني: يبدو لي أنك فخور بصفة الكرم، فقلت نعم،

قال: هل تعلم أن الكرم والاعنزاز به هي من قيم وأخلاق الإقطاعية، ولا تمت بأية صلة إلى قيم الطبقة العاملة التي تدعي أنك من حراسها. فالعامل لا يملك فائضاً يتكرم به.

كان ذلك كافياً لأن أعيد النظر نقدياً بكافة المنظومة الأخلاقية التي تريت عليها.

وفي إحدى المرات سأله طالب: أنت دارس فلسفة، فما هو موقفك من الإله؟ فسأله نايف: هل تستطيع أن تذكر لي أسماء بعض الآلهة السورية؟ فأجاب الطالب: حدد وعشتار وبعل وبل على ما أذكر.

فرد نايف: ماذا تستنتج من ذلك؟ فأجاب الطالب: لا أدري.

فاستطرد نايف قائلاً: هذا يعني أن الإنسان يصنع آلهته بنفسه، وأحياناً على صورته ومثاله.

وحتى لا أطيل الحديث كان نايف بلوز من أوائل الشيوعيين السوريين ـ إن لم يكن من أولهم ـ ممن بدأ بنقد نهج وسياسة حزبه داخلياً وخارجياً، ومواقفه من كارثة فلسطين، ومن الناصرية، ومن الانفصال، ومن الموقف تجاه الثورة في جنوب اليمن، إلى الالتحاق بالبرجوازية السورية عبر برنامجه السياسي أيام الانفصال.

ولعل الأهم من ذلك كله أنه كان أول من حمل فأس النقد والتهديم لصنمية خالد بكداش، وعرى نواقصه وعيوبه وطريقة قيادته للحزب. كنا في ألمانيا الديموقراطية قلة قليلة ممن سار على هذا النهج معرضين أنفسنا للوم والعزلة والاضطهاد الحزبي والتهديد بقطع المنح الدراسية. ولم نكن ندري بأن مثل هذه الأفكار بدأت تظهر على التوازي في كثير من منظمات الحزب في الداخل والخارج. كان نايف يقول بأن قيادة جاهلة بالماركسية لا بد من أن نولد حزباً جاهلياً، ويدعو إلى بناء حزب متجدد.

وبقي لسنوات عديدة يقدم نصائح وأطروحات متعددة للشيوعيين الذين انفصلوا عن قيادة بكداش وفيصل مرة بجدوى ومراراً دون جدوى لسوء الحظ. – 1 – عكف نايف سنوات طويلة في برلين على إنجاز أطروحة الدكتوراة في جامعة هومبولدت الشهيرة وموضوعها “الإسلام ونشأته وفرقه ومدارسه” مركزاً على مرحلة الإسلام الأولى في حيويته، وقبل مرحلة التقديس والانقسامات مسلطاً ضوء العلم الماركسي أسلوب التحليل الطبقي على تطوراته التاريخية. وكان يولي أهمية كبرى لفكر الفيلسوف الأندلسي إبن رشد الذي نادى بتحكيم العقل، ومزج الدين مع الفلسفة، ومواكية التطور. وكان يرى أن الإسلام الأول شكل نقلة نوعية تقدمية في تاريخ الفكر الديني، ولم يكن يرى بأن الإسلام في عصرنا قادر على تقديم أجوبة على التساؤلات التي يطرحها عصرنا وواقعنا الحالي، ولا يمكن أن يكون هو الحل لقضايا أمتنا ومشكلات عصرنا.

في مطلع الثمانينات ـ 1984 ـ على ما أذكر، اتصل مكتب حافظ الأسد بالدكتور نايف طالباً منه موعداً لمقابلة يرغب الرئيس في إجرائها معهه. فذهب نايف إلى القصر وجلس مع الرئيس لمدة أربع ساعات كاملة تشعب فيها الحديث إلى مواضيع كثيرة، بناء على أسئلة الرئيس المتواصلة، وهو يسمع وينصت باهتمام؛ ونايف ينتقد ويقدم النصائح والمشورة، إلى أن طرح عليه حافظ الأسد السؤال التالي ـ كما روى لي ـ .ما رأيك في أن تلتحق بقاطرة المد الديني، أو آن تركب على سفينته الماخرة في معركتنا مع الغرب وإسرائيل؟ كان جواب نايف صاعقاً، إذ قال إن السؤال مغلوط ومقلوب على رأسه. والسؤال الصحيح هو: كيف تستطيع حركة التحرر العربية أن تقطر حركة المد الديني وتقودها وتوظفها في عملية تحقيق أهدافها في الاستقلال والتقدم والتحرير، مبيناً بأن الإسلام السياسيّ في جوهر حقبقته غير معاد دائم للإمبريالية والرأسمالية، وقابل في كل وقت ـ حسب مصالحه ـ للمساومة معها.

وفي نهاية المقابلة طلب حافظ الأسد من الدكتور نايف أن يعد دراسة علمية حول الإسلام تكون شاملة للماضي والحاضر.

عكف نايف شهوراً طويلة على إنجاز الدراسة، لكن الرئيس تجاهل الموضوع ولم يعد للسؤال عن الدراسة المذكورة. فبقيت في جوارير الدكتور نايف وبعض أصدقائه، وأنا منهم، ولم تنشرقط على الرغم من أهميتها.

كان نايف بلوز عاشقاً للحرية إلى أقصى الحدود، ويرى أن ماركس في نظريته لم يكن يهدف في النهاية، أي في المجتمع الشيوعي، إلا لتحقيق حرية الإنسان وانعتاقه من عبودية العمل، بل جعله حقاً من حقوقه، لا فرضاً عليه؛ وكذلك للخلاص من ماكينة ـ جهاز ـ الدولة كأداة عنف في أيدي الطبقة المسيطرة، والعمل على حلها وتفكيكها (زوال الدولة) وجعل البشر يديرون شؤونهم وترتيب وتنظيم حياتهم بالإدارة الذاتية وقواعد المجتمع المدني في ظل مجتمع الكفاية والرفاه؛ وذلك وفق قاعدة: “من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته”. بقي نايف طوال حياته مناهضاً للاستبداد الذي كان يعتبره الأصل في نشوء الفساد والتأخر والانهيار. لم يكن يهاب أحداً في معارضته النظام السوري بجلية ووضوح، وانتقاده الشديد موقف المثقفين المتزلفين للسلطة، الراكضين وراء المال والجاه المزيف، مما جعله عرضة للمضايقات والعزلة من قبل بعض الزملاء. لا أزال حزيناً على فراقه ومتألماً على نهايته الدرامية، إذ خطفته يد المنية أثناء سباحته في البحر الأبيض المتوسط قرب اللاذقيةً؛ وكآني به، بطهره وعزة نفسه واستقامته وآثاره الفكرية ووفائه للماركسية، يقول :”إن الأرض لا تسعني”.

 

  • Social Links: