(جثث بخيلة وجثث كريمة) – مصطفى تاج الدين الموسى

(جثث بخيلة وجثث كريمة) – مصطفى تاج الدين الموسى

(جثث بخيلة وجثث كريمة)

كنتُ منذ شهرين على وشك مغادرة هذه المدينة مع أمي إلى الأبد، الحرب تزداد بشاعة واقتنعتُ أنها لن تنتهي خلال سنوات، لأشهر بعد تدمير مشفى المدينة الذي كنتُ لسنوات قبل الحرب أحد أشهر ممرضيه، وأنا بلا عمل أنجو مع أمي وبعض المعارف في حارتنا من القصف مصادفة، كنا على وشك الهجرة إلى أوربا بحثاً عن حياة أفضل عندما اتصل بي صبحي، زميلي في التمريض وكان قد اختفى منذ أشهر:

ـــ أريدك في أمر مهم جداً.. سأمنحك فرصة العمر..

التقينا في السوق، ثمّ أخذني إلى حارة بعيدة جداً عن حارتنا، شبه مهجورة ومدمرة تقريباً.. لننزل معاً قبو بناءٍ قديم. شهقتُ، كان هنالك طاولة كبيرة بجانبها طاولة صغيرة فوقها كلّ الأدوات الجراحية التي نستخدمها في غرفة العمليات.

ـــ أنا أعمل هنا منذ أشهر، جمعتُ ثروة جيدة.. والآن أنوي السفر بعيداً عن هذا المكان البشع وهذه الحرب.. أنصحك أن تعمل مكاني.. سوف يجلبون لك يومياً عدة جثث مشوهة أو غير معروفة.. عليك أن تنزع منها الأعضاء الصالحة للبيع ثمّ تسلمها لهم وسوف تحصل على أموال طائلة..

راقتْ لي الفكرة، أخبرتُ أمي أنني أنوي تأجيل سفرنا لبضعة أسابيع، ولنحتمل هذه الحرب قليلاً فقد صبرنا عليها كثيراً، فهزتْ رأسها بصمت. بدأتُ العمل هنا، كلّ صباح تتصل بي أمي هاتفياً وتلح عليّ أن أصلي صلاة الفجر ثمّ نطمئن على بعض، بعدها يأتي الملثمون بالجثث لأبدأ العمل بها حتى ساعة متأخرة من الليل، يرجعون ليحملوا الصناديق البلاستيكية الممتلئة بالأعضاء المستأصلة والثلج وبقايا الجثث، ويدفعون لي مئات الدولارات.. أظن أن هنالك شبكة عالمية خلف هذا العمل.. لا يهم، مع مرور الأيام صار لدي مبلغ كبير. مرة قلتُ لأحد الملثمين بحنق:

ـــ جثتان فقط!!.. في أخبار المذياع يقولون إنه بعد غارات البارحة كان هنالك عشرات الجثث..

ـــ لا نستطيع أن نجلب كلّ الجثث يا أحمق، منها يتم التعرف عليها لتدفن ، التي تظل مجهولة نستطيع حملها من بين الناس بهدوء وجلبها إليك دون مشاكل مع أحد..

مرتْ الأسابيع وثروتي تزداد، أمي كلّ صباح تتصل بي، تلح عليّ بصوتها المرتجف أن أصلي صلاة الفجر، ثمّ أعدها أننا قريباً سوف نهاجر إلى أوربا لنعيش حياة رائعة.

خلال عملي بين هذه الجثث المشوهة صرتُ أصنفها إلى جثث بخيلة وأخرى كريمة، البخيلة تلك التي هرستها الحرب لدرجة لا يمكن استئصال أيّ شيء منها. كانت ثروتي تزداد، والقصف الوحشي على الأماكن القريبة يزداد، وصلاتي الوحيدة هنا هي استئصال الأعضاء.

تعبتُ كثيراً هذا اليوم، عدة جثث مشوهة عبثتُ بها، عندما غابت الشمس جاء الملثمون، أخذوا البضاعة والبقايا، وتركوا لي ثلاث جثث مشوهة.. حملتُ واحدة ومددتها على الطاولة الكبيرة.. كنتُ مرهقاً، استلقيتُ في زاوية القبو لأغفو قليلاً.

بعد ساعات، انتبهتُ لجثة الطاولة، نهضتْ لتنزل عنها بهدوء، مشتْ ثمّ انحنتْ عليّ وأنا شبه نائم.. مسحتْ بحنان على جبيني:

ـــ هيا، استيقظ.. الله يرضى عليك، حان وقت صلاة الفجر يا بني….

  • Social Links:

Leave a Reply