السياسة و العنف في سورية – عبد الله حنا – الجزء الخامس

السياسة و العنف في سورية – عبد الله حنا – الجزء الخامس

  أحداث حماة 1982 بين العنف والعنف المضاد

               والفلاحون يحسمون الموقف  نصراً لقضيتهم

   صاحب كتاب جند الله سعيد حوّى كان أحد القادة الثلاث مع عدنان سعد الدين وعلي بيازلي الموقعين  عام 1980 على ” بيان الثورة الإسلامية في سوريا ومناهجها ” . ولكن وطأة الأحداث بعثرت هذا التحالف الإخواني الذي كان مغلول اليدين بقيود الأجهزة المخابراتية الأردنية والعراقية المموِلة له والراغبة في الإطاحة بالنظام السوري . علاوة على ذلك لم يكن هذا التحالف يحظى بتأييد قسم كبير من الجماهير السنية سواء في الريف أو المدن الأخرى ، عدا حماة وإلى حدٍ ما حلب المنقسمة على نفسها .

  فالفلاحون الحائزون على أراضي الإصلاح الزراعي قاوموا التحرك الإخواني المدعوم من عائلات كبار الملاك في حلب وحماة حفاظا على ما نالوه من مكتسبات . وفي الوقت نفسه  كانت بورجوازية  دمشق التجارية تخلد إلى الهدوء متنعمة بقسم من الثروة الموزعة بينها وبين الفئات الحاكمة من البيروقراطيتين المدنية والعسكرية  . وهذا ما سهّل على الأجهزة الأمنية السورية من تسديد ضربة قاصمة لتنظيم  الإخوان في حلب .

    وبعد انهيار مركز الإخوان في حلب دُفِعت قيادة الداخل وبموافقة عدنان عقلة إلى إعلان الجهاد في حماة يوم 2 شباط 1982 . وكان توزيع السلاح المهرّب من العراق والمُخبّأ في أماكن سرية على المقاتلين إيذانا باندلاع معركة ضارية استمرت عشرة أيام بين مقاتلي الإخوان وجموع المؤيدين لهم في حماة وبين قوات الأمن والجيش , التي حاصرت المدينة ودكّتها بالمدفعية . ورغم المقاومة البطولية لمقاتلي الإخوان وما استندوا إليه من النخوة الحموية المعروفة ، تمكّنت قوى النظام في 20 شباط 1982 من احتلال حماة واستباحتها .

   أحداث حماة في أوائل ثمانينات القرن العشرين ( شباط 1982 ) ، والتي أدت إلى ما عُرف في أدبيات الإخوان المسلمين بمذبحة حماة ، لها أسبابها العديدة, التي سنكتفي  بإلقاء الضوء على احد أسبابها الرئيسية المتمثلة بالخلفيات التاريخية الطبقية, التي تعود بجذورها إلى تسلط الإقطاعيين الحمويين واستثمارهم الرهيب للفلاحين استثماراً لمسه كاتب هذه الأسطر في جولاته الميدانية عامي 1984 و1985, وكتب بعض فصوله.

   فمن خلال دراساتنا الميدانية تبين لنا أن  حركة الإخوان المسلمين, في أواسط سورية وشمالها قامت بواجهة مذهبية (السنة ضد العلويين أو النصيرية, كما كانت أدبيات الطليعة المقاتلة للإخوان تسميهم)، وخلفية اقتصادية اجتماعية قلّ من أشار إليها . وهذه الخلفية تجلت في أمرين :

  العامل الأول تمركز في استغلال الإخوان للاحتجاج الضمني أوالمكتوم لفئات واسعة من جماهير الشعب الناقمة على تقاسم ” ثروة البلاد ” بين البرجوازية البيروقراطية (وأكثريتها علوية) والبرجوازية التجارية الطفيلية التي يغلب عليها العنصر السني الدمشقي . هذا التحالف (البيروقراطي – الطفيلي التجاري هو في المقاييس الطائفية تحالف علوي – سني) كان له دور كبير في القضاء على تحركات الإخوان المسلمين في حماة وحلب وقسم من الريف السني ذي الملكيات الصغيرة والمحيط بإدلب شرقا والمتميّز بغلبة الفكر “العثملي” المحافظ على مشاعرعدد من قراه .

   العامل الثاني الهام ، الذي سهّل عملية القضاء على تحرك الإخوان المسلمين ، هو موقف الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعي ، الذين أرعبهم تأييد أبناء الإقطاعيين وأحفادهم في حلب وحماة ومعرة النعمان للتحرك الديني الإخواني . ولهذا هبّ هؤلاء الفلاحون من سُنة وعلويين ومعهم جموع غفيرة أخرى من الفلاحين السُنة في منطقة وادي الفرات والمعروفين بالشوايا  . وهؤلاء الفلاحين المستفيدين من الإصلاح الزراعي والذين تحسّنت أوضاعهم المعيشية وقفوا سدّا منيعا أمام التحرك الديني الإخواني ذي الأبعاد  الاجتماعية الرامية إلى استعادة كبار الإقطاعيين للأرض المستولى عليها والموزعة على الفلاحين .   وبفضل هؤلاء الفلاحين ومشاركتهم في القتال تمكن النظام من دحر التحرك الإخواني وتصفيته .

    إن إلقاء الضوء على الخلفيات الطبقية لأحداث حماة عام 1982 لا يعني تبرئة ما قام به المهاجمون وما ارتكبوه من فظائع . وقد ادت المقاومة الضارية للحمويين وبسالتهم إلى سفك دماء غزيرة كانت مبعثاً لمدينة حملت في أحشائها تناقضاتها : بين قوى إقطاعية مستغِلة وطاغية وقوى اجتماعية تقودها الطبقة الوسطى المتحررة والساعية إلى الخلاص من الهيمنة الإقطاعية . ومع تراجع المد الجماهيري للإشتراكية ( بالصيغة التي رعاها الزعيم الحموي أكرم الحوراني ) وصعود المد الديني الإسلامي الذي تزعمه جناح الطليعة المقاتلة من الإخوان المسلمين سارت مدينة حماة موحدة بأكثريتها مع الإخوان وسائرة تحت علم الجهاد .

                                  ***

روايتان تتحدثان عن الخلفيات التاريخية لأحداث حماة 1982

   سنقدم فيما يلي روايتين سمعناهما أثناء جولاتنا الميدانية لدراسة الحركة الفلاحية عام 1984تشيران إلى الخلفيات التاريخية للأحداث وتصفان القهر الإقطاعيي للفلاحين . كما تبين الروايتان ردود الفعل الثأرية للجنود والضباط انتقاماً من العائلات الإقطاعية في حماة دون أن يميزوا بين المستبد الإقطاعي وبين عامة الشعب ومتناسين في زحمة المعركة أن القوى الإجتماعية الحيّة في مدينة حماة بقيادة الحزب العربي الإشتراكي دافعت عن الفلاحين وأسهمت في إعطائهم الأرض .

الرواية الأولى تحدث فيها معنا بتاريخ 2 – 8 – 1984 الفلاح ذي الأصول البدوية من ” عرب البوحياد ” نواف المحمد  من قرية حيالين في الغاب الغربي ومواليد 1923 وهو مسلم سنة وفلاح في أراضي أملاك الدولة ، التي كانت إحدى ميادين الصراع بين الفلاحين وإقطاعيي حماة .

روى نواف المحمد كيف أخذ أحد الإقطاعيين الحموية وهو من عائلة البرازي قسماً كبيراً من أرض حيالين  ” ومن يومها الكون مشتعل بيننا “, حسب تعبيره    . كما روى لنا نواف الصراع مع إقطاعي حموي آخر هو صالح آغا البرازي المجاورة أرضه لحيالين . قال الفلاح : ” صالح آغا أراد أن يشمط النسوان   من عندنا ، فمنعه رجال العشيرة, الذين كان لديهم ثلاث بنادق فرنسية وجفتي كسر ” . وعلى الأثر جرت معركة بين فلاحي ” عرب البوحياد ” من حيالين, وصالح آغا البرازي, الذي كان في عداد زلمه عدد من عرب (بدو) التركي . وقد أسفرت المعركة التي جرت في إحدى ليالي شتاء 1949ووسط ضباب كثيف, عن سقوط قتيلين الأول من ” عرب البوحياد ” وهو أخو محدثنا نواف المحمد, والقتيل الثاني من المهاجمين .

واستمر الصراع من أجل حيازة الأرض بين فلاحي عرب البوحياد من حيالين بمساندة الحزب العربي الاشتراكي ( حزب أكرم الحوراني ) وأغوات حماة وزلمهم طوال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين .

فلاحو حيالين, الذين اعتمدوا على عصبيتهم العشائرية في أربعينات القرن العشرين لمقاومة الطغيان الإقطاعي لأغوات حماة, وجدوا في الحركة الحموية المناهضة للإقطاعية ملاذاً لهم . وسرعان ما انضموا إلى الحزب العربي الاشتراكي بهدف تلقي العون منه للوقوف ضد الاستعباد الإقطاعي . ويعلل الفلاح نواف المحمد سبب دخولهم في العربي الاشتراكي بقوله: ” نحن من ضيم الإقطاع دخلنا في الحزب العربي الاشتراكي “.

انتسب ابن نواف المحمد بعد نيله شهادة الدراسة الثانوية إلى الكلية  العسكرية . وبعد تخرّجه فُرِزَ إلى ” الوحدات الخاصة ” العسكرية, ورئيسها علي حيدر, التي كان لها دور أساسي, مع ” وحدات سرايا الدفاع ” العسكرية, في القضاء على تحركات الإخوان ومن والاهم من جموع … وعندما اشتبكت الوحدات الخاصة مع المقاومين في حماة, كان الضابط ابن نواف المحمد على رأس المهاجمين . وعندما ” دخل حي البرازية وأراد أن ينتقم لعمه ” ،    الذي قتله احد أبناء ذلك الحي عام 1949. ولكن الضابط ابن نواف –  حسب ما رواه لنا والده – لم يجد  في حي البرازية إلا النساء والأطفال فلم يمسهم بأذى . لأن الأخذ بالثأر هو من الرجال فقط حسب العرف البدوي ..

الرواية الثانية تتحدث عن اغتصاب الإقطاعي الحموي أنور الكيلاني لإمرأة أحد الفلاحين العلويين في إحدى قرى مصياف . واضطر الفلاح للسكوت على الاعتداء عليه وغادر القرية ، وهو يحمل حقداً دفينا في أعماقه . في تلك الأثناء اشترى الفلاح المهدَرَة كرامته بندقية عتيقة رخيصة بمساعدة رفاقه وخطط  لقتل الإقطاعي وعاد إلى القرية معلنا ولاءه للإقطاعي أنور . وفي يوم من أيام ربيع 1949 أقام الإقطاعي أنوروليمة في القرية على مائدة تفترش الأرض ، وكان الفلاح في عداد المهيئين للوليمة . وعندما بدأت البطون تمتلئ وكؤوس العرق ترتفع انخابها ، غادر الفلاح المكان وعاد مصطحبا بندقيته  العتيقة مسددا رصاصها عن بعد إلى ظهر الإقطاعي . ولكنّ الطلقة أصابت  الجانب العلوي الأيمن من كتف الإقطاعي . فقد لعب القدر و ” حليب السباع ” دورا في انقاذ الإقطاعي . فقبل ثانية من  لحظة إطلاق الرصاصة انحنى الإقطاعي  لتناول قدح العرق فأصابت الرصاصة كتف الإقطاعي ونجا من الموت .ولم تسعف الفلاح بندقيته العتيقة في اطلاق رصاصة ثانية فقد استعصت الطلقة . وعندها هرب الفلاح مطلقا ساقيه للريح . وعلى الأثر قامت مفارز الدرك المجموعة من قرى جبل الحلو بإرهاب القرية واستباحتها واعتقال أكثر من أربعين فلاحا مشترطين تسليم ” الجاني ” لإطلاق سراحهم . مما دفع مطلق النار لتسليم نفسه . حكم القضاء على الفلاح ” الجاني ” بالسجن أربعة سنوات ومنْعِه من الإقامة في قضاء مصياف فاختار حمص واشتغل عاملا في معمل السكر .

هذا الفلاح انجب أربعة شبانا دخل ثلاثة منهم في السلك العسكري وشارك أثنان في الهجوم على حماة حسب ما رُوِيَ لنا في مسقط رأسه . ولا نعلم ما قام به الشابان , الذين اغتصب الإقطاعي الحموي أمهما من ردود فعل ثأرية كانت مختزنة في صدريهما عندما دخلا حماة في معمعان المعركة .

  • Social Links:

Leave a Reply