الربيع العربي قام لينتصر لا ليندحر ! – مصطفى الدروبي

الربيع العربي قام لينتصر لا ليندحر ! – مصطفى الدروبي

الربيع العربي قام لينتصر لا ليندحر !

مصطفى الدروبي – 11- 06 – 2016

 ما أن شبت النار بجسد محمد البوعزيزي حتى امتدت بأوراها كتسونامي في عموم المنطقة العربية مؤذنة بميلاد فجر جديد عنوانه إزاحة نظم الاستبداد والفساد والعمل على بناء نظام الدولة القائم على سيادة القانون والمؤسسات وذلك لتحقيق العدالة والحرية والكرامة وإزالة التراكم الهائل من القهر والعهر لأنظمة استباحت كل شيء..وصادرت بسلطاتها المطلقة إرادة العباد والبلاد … فطيلة عقود طويلة وفي إطار تقسيم العمل الدولي هيمنت على اقتصادات هذه الدول النشاطات الطفيلية الريعية متحالفة مع السلط الاستبدادية ورجال الدين الذين جل ما يفعلونه هو إضفاء شيء من الشرعية على أنظمة فاسدة ومستبدة استندت إلى أجهزة أمنية هيمنت على كل نشاط مجتمعي وغيبت السياسة وصحرت الفكر والروح وعممت ثقافة الخوف أمام فشل ذريع في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية مما أفضى إلى خارطة طبقية مفزعة ..حيث القلة تزداد ثراءاً فاحشاً واستفزازياً وتسلطاً بلا حدود ..

حيث تجاوزت كل القوانين التي وضعتها سلطة الاستبداد ذاتها والتمادي نحو حصر السلطة وإدارة شؤون الحكم بيد العائلة الحاكمة والعمل على توريثها للأبناء أمام انسداد آفاق حقيقي لجيوش من العاطلين عن العمل في مجتمعات يغلب على هرمها السكاني الأعمار الفتية وازدياد الحاجات الملحة كالسكن والاستقرار والزواج .. والمدقق في الوضع العربي قبيل اندلاع ثورات ربيعه يجد القواسم المشتركة بين أنظمة الحكم اللاشرعية وفسادها واستبدادها من جهة وبين معاناة الشعوب وحاجتها المشتركة أيضاً للعدالة والحرية والكرامة من الجهة الأخرى .

.ومن هنا شكلت الثورة التونسية رافعة حقيقة لحراك اندلع في 18- 12 – 2010 لينتشر في عموم المنطقة ( مصر – ليبيا – الجزائر – المغرب – اليمن – سوريا – البحرين – …) وكان الرد على الثورات مختلفاً بين الشدة ( ليبيا – مصر – اليمن ) والاستجابة لبعض المطالب امتصاصا لغضب الشارع ( المغرب والسعودية مثالاً ) …

أما في سوريا فكان الوضع مختلفاً حيث اشتغل النظام ومنذ البداية بعقل بارد وقلب ساخن مستفيداً من تجربة الثمانينات وبأسلوب بوليسي وحشي عمل على قطع رأس قوى الحراك المدني عبر القتل بدم بارد في سوح الحراك والتصفية الجسدية في أقبية استخباراته مُجيّشاً مواليه من المنتفعين و واصماً الثورة السورية بالإرهاب ومتهماً إياها بالعمل على تنفيذ مؤامرة عالمية ضده كنظام ممانع ومقاوم ؟ !…عبر بروبوغندا إعلامية اعتاد عليها السوريون كثيراً مترافقة مع تفجيرات اجرامية نفذتها أدواته الأمنية وذلك لاتهام الثوار بهذه الأعمال…ثم قام بإطلاق المتشددين الإسلاميين و المعتقلين منذ سنوات تشجيعاً لعسكرة الثورة وأسلمتها و حرفاً لمسارها المدني والديموقراطي … بعد ذلك زاد النظام السوري من جرعات القمع الشامل ضد الثورة والشعب وذلك عندما هرب من الاستحقاقات المهمة والمهمة نحو عقد مؤتمرات خلبية ترافقت وخياره الأمني والعسكري الذي أوصل سوريا وبعد خمس سنين إلى دولة منكوبة ومدمرة وفاقدة للسيادة حيث أصبحت القضية السورية بكل كارثيتها المشكلة العالمية الأولى التي تتصدر المشهد.. على الطرف الآخر عادت رموز بن على في تونس إلى الحكم بحلة جديدة …وكذلك في مصر بعد عزل الرئيس الإخواني الذي لم يرتقي وجماعته إلى مستوى المسؤولية الوطنية في فهم خصوصية مصر والعمل على التشاركية مع قوى الثورة الحقيقية في إدارة شؤون الحكم مما سمح بعودة العسكر من جديد حيث يشكلون اليوم ثورة مضادة حقيقية مدعومة من قبل الحكومة الإسرائيلية ورضى الإدارة الأمريكية وأوساط دولية أخرى…. إن أكثر ما أخاف المراكز الرأسمالية العالمية من ثورات الربيع العربي هو الطابع السلمي لها و سعيها لبناء دول مدنية ديمقراطية تعزز نزعة المواطنة وتهيئ لدولة القانون والمساءلة ..

وهذا يلحق أشد الضرر بمصالح هذه المراكز وحلفاءها في المنطقة …لذا عملت على تخميد هذه الحالة الناهضة وذلك بعدم دعمها وتمكينها من تحقيق مطالبها بل ذهبت إلى تجييرها وحرف مسارها نحو خدمة أجنداتها المرسومة للمنطقة منذ تبشير المحافظين الجدد عن بناء شرق أوسط جديد عشية التحضير لغزو العراق عام 2003م مؤكدة بذلك أن خطابها الإعلامي عبر سني الحرب الباردة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ما هو إلا مجرد كذبة كبرى أسقطتها وبشكل مدو ثورات الربيع العربي.. واليوم وبعد كل دروب الآلام الطويلة والمخاضات العسيرة لثورات الربيع العربي فإن مياه كثيرة جرت من تحت الجسر وقد تذهب المنطقة برمتها نحو ما هو أسوأ لكن المؤكد أن الماضي لن يعود وأن الشعوب لن ترفع الرايات البيضاء رغم الأكلاف الباهظة التي دفعتها والتي قد تدفعها لاحقاً….وأن نصر الثورات لا يأتي بكبسة زر كما أكد تاريخ الثورات الممتد عبر قرون…فالربيع سيستولد أكثر من ربيع حتى تتحقق آماني الشعوب بالحرية والعدالة والمواطنة .

  • Social Links:

Leave a Reply